الصفحة الرئيسية
>
شجرة التصنيفات
كتاب: الأم ***
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ إمْلاَءً قَالَ وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مَا قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا أَحَالَ الرَّجُلَ عَلَى الرَّجُلِ بِحَقٍّ لَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ لَمْ يَرْجِعْ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ أَبَدًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا الْحُجَّةُ فِيهِ؟ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمَا فِي هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَقْوِيَةِ قَوْلِك؟ قِيلَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ الْمُحَالُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إذَا أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ أَوْ مَاتَ مُفْلِسًا هَلْ يَصِيرُ الْمُحَالُ عَلَى مَنْ أُحِيلَ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ أُحِيلَ عَلَى مُفْلِسٍ وَكَانَ حَقُّهُ نَائِبًا عَنْ الْمُحِيلِ هَلْ كَانَ يَزْدَادُ بِذَلِكَ إلَّا خَيْرًا، إنْ أَيْسَرَ الْمُفْلِسُ وَإِلَّا فَحَقُّهُ حَيْثُ كَانَ، وَلاَ يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا. أَمَّا قَوْلُنَا إذَا بَرِئْت مِنْ حَقِّك وَضَمِنَهُ غَيْرَى فَالْبَرَاءَةُ لاَ تَرْجِعُ إلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً وَإِمَّا لاَ تَكُونُ الْحَوَالَةُ جَائِزَةً فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ أَكُونَ بَرِيئًا مِنْ دَيْنِك إذَا أَحَلْتُك لَوْ حَلَفْت وَحَلَفْت مَا لَك عَلَيَّ حَقٌّ بَرَرْنَا فَإِنْ أَفْلَسَ عُدْت عَلَيَّ بِشَيْءٍ بَعْدَ أَنْ بَرِئْت مِنْهُ بِأَمْرٍ قَدْ رَضِيت بِهِ جَائِزًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِأَنَّ عُثْمَانَ قَالَ فِي الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ يَرْجِعُ صَاحِبُهُ لاَ تَوَى عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ فِي أَصْلِ قَوْلِهِ يَبْطُلُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْ عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ إنَّمَا شُكَّ فِيهِ عَنْ عُثْمَانَ، وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ احْتَمَلَ حَدِيثُ عُثْمَانَ خِلاَفَهُ. وَإِذَا أَحَالَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ بِالْحَقِّ فَأَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَوَالَةَ تَحَوُّلُ حَقٍّ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى غَيْرِهِ وَمَا تَحَوَّلَ لَمْ يَعُدْ وَالْحَوَالَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْحَمَالَةِ مَا تَحَوَّلَ عَنْهُ لَمْ يَعُدْ إلَّا بِتَجْدِيدِ عَوْدَتِهِ عَلَيْهِ وَنَأْخُذُ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ دُونَ الْمُحِيلِ بِكُلِّ حَالٍ.
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَإِذَا تَحَمَّلَ أَوْ تَكَفَّلَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ بِالدَّيْنِ فَمَاتَ الْحَمِيلُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَلِلْمُتَحَمَّلِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا حَمَلَ لَهُ بِهِ فَإِذَا قَبَضَ مَالَهُ بَرِئَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَالْحَمِيلُ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْحَمِيلِ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْمَحْمُولِ عَنْهُ بِمَا دَفَعُوا عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ كَانَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ. وَقَالَ فِي الْحَمَالَةِ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ إذَا تَحَمَّلَ أَوْ تَكَفَّلَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ بِدَيْنٍ فَمَاتَ الْمُحْتَمِلُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَلِلْمُحْتَمِلِ عَنْهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا حَمَلَ لَهُ بِهِ، فَإِذَا قَبَضَ مَالَهُ بَرِئَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَالْحَمِيلُ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْحَمِيلِ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْمَحْمُولِ عَنْهُ بِمَا دَفَعُوا عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ. وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ كَانَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِهِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْمَالُ فَكَفَلَ لَهُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلاَ يَبْرَأُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَالَهُ إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُطْلَقَةً فَإِذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِشَرْطٍ كَانَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ عَلَى مَا شَرَطَ لَهُ دُونَ مَا لَمْ يَشْرِطْ لَهُ وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ مَا قَضَى لَك بِهِ عَلَى فُلاَنٍ أَوْ شَهِدَ لَك بِهِ عَلَيْهِ شُهُودٌ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا فَأَنَا لَهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِشَيْءٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يُقْضَى لَهُ، وَلاَ يُقْضَى لَهُ، وَيُشْهَدُ لَهُ، وَلاَ يُشْهَدُ لَهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِمَّا شَهِدَ بِهِ بِوُجُوهٍ فَلَمَّا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا ضَمَانًا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ بِمَا عَرَفَهُ الضَّامِنُ فَأَمَّا مَا لَمْ يَعْرِفْهُ فَهُوَ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ. وَإِذَا ضَمِنَ الرَّجُلُ دَيْنَ الْمَيِّتِ بَعْدَمَا يَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُ لِمَنْ هُوَ فَالضَّمَانُ لَهُ لاَزِمٌ تَرَكَ الْمَيِّتُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَتْرُكْهُ فَإِذَا كَفَلَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَالْكَفَالَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ اسْتِهْلاَكُ مَالٍ لاَ كَسْبُ مَالٍ فَإِذَا كُنَّا نَمْنَعُهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَكَذَلِكَ نَمْنَعُهُ أَنْ يَكْفُلَ فَيَغْرَمَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ قَالَ: حَمَلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «يَا قَبِيصَةُ، الْمَسْأَلَةُ حُرِّمَتْ إلَّا فِي ثَلاَثٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ بِمَالٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، وَأَنْكَرَ الْمَكْفُولُ لَهُ الْخِيَارَ، وَلاَ بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ جَعَلَ الْإِقْرَارَ وَاحِدًا أَحَلَفَهُ مَا كَفَلَ لَهُ إلَّا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ وَأَبْرَأَهُ، وَالْكَفَالَةُ لاَ تَجُوزُ بِخِيَارٍ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُبَعِّضُ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ فَيَلْزَمُهُ مَا يَضُرُّهُ أَلْزَمَهُ الْكَفَالَةَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْمَكْفُولُ لَهُ لَقَدْ جَعَلَ لَهُ كَفَالَةً بَتٍّ لاَ خِيَارَ فِيهِ وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ عَلَى الْخِيَارِ لاَ تَجُوزُ وَإِذَا جَازَتْ بِغَيْرِ خِيَارٍ فَلَيْسَ يَلْزَمُ الْكَافِلَ بِالنَّفْسِ مَالٌ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ مَالاً كُفِلَ لَهُ. وَلاَ تَلْزَمُ الْكَفَالَةُ بِحَدٍّ، وَلاَ قِصَاصٍ، وَلاَ عُقُوبَةٍ لاَ تَلْزَمُ الْكَفَالَةُ إلَّا بِالْأَمْوَالِ. وَلَوْ كَفَلَ لَهُ بِمَا لَزِمَ رَجُلاً فِي جُرُوحِ عَمْدٍ فَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ فَالْكَفَالَةُ بَاطِلَةٌ وَإِنْ أَرَادَ أَرْشَ الْجِرَاحِ فَهُوَ لَهُ وَالْكَفَالَةُ لاَزِمَةٌ؛ لِأَنَّهَا كَفَالَةٌ بِمَالٍ وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ دَارًا فَضَمِنَ لَهُ رَجُلٌ عُهْدَتَهَا أَوْ خَلاَصَهَا فَاسْتُحِقَّتْ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الضَّامِنِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ خَلاَصَهَا وَالْخَلاَصُ مَالٌ يُسَلَّمُ، وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ كَفِيلاً بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلاً آخَرَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَبْرَأْ الْأَوَّلُ فَكِلاَهُمَا كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ.
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ: قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ بَاطِلٌ، وَلاَ أَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا يَكُونُ بَاطِلاً إنْ لَمْ تَكُنْ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ بَاطِلاً إلَّا أَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ يَعُدَّانِ الْمُفَاوَضَةَ خَلْطَ الْمَالِ وَالْعَمَلَ فِيهِ وَاقْتِسَامَ الرِّبْحِ فَهَذَا لاَ بَأْسَ بِهِ وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ الَّتِي يَقُولُ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ لَهَا شَرِكَةُ عَنَانٍ وَإِذَا اشْتَرَكَا مُفَاوَضَةً وَتَشَارَطَا أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ عِنْدَهُمَا هَذَا الْمَعْنَى فَالشَّرِكَةُ صَحِيحَةٌ وَمَا رُزِقَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ كَنْزٌ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ، وَإِنْ زَعَمَا أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ عِنْدَهُمَا بِأَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي كُلِّ مَا أَفَادَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بِسَبَبِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ فَالشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فَاسِدَةٌ، وَلاَ أَعْرِفُ الْقِمَارَ إلَّا فِي هَذَا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِكَ الرَّجُلاَنِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَيَجِدَ أَحَدُهُمَا كَنْزًا فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا. أَرَأَيْتَ لَوْ تَشَارَطَا عَلَى هَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَالَطَا بِمَالٍ أَكَانَ يَجُوزُ؟ أَوْ أَرَأَيْت رَجُلاً وُهِبَ لَهُ هِبَةٌ أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ فَأَفَادَ مَالاً مِنْ عَمَلٍ أَوْ هِبَةٍ أَيَكُونُ الْآخَرُ لَهُ فِيهِ شَرِيكًا؟ لَقَدْ أَنْكَرُوا أَقَلَّ مِنْ هَذَا.
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ: قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ إمْلاَءً قَالَ: وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِوَكَالَةٍ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ مَرِضَ الْوَكِيلُ أَوْ أَرَادَ الْغَيْبَةَ أَوْ لَمْ يُرِدْهَا؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِوَكَالَتِهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِوَكَالَةِ غَيْرِهِ. وَإِنْ قَالَ: وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ رَأَى كَانَ ذَلِكَ لَهُ بِرِضَا الْمُوَكِّلِ. وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَكَالَةً، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِأَنْ يُقِرَّ عَلَيْهِ، وَلاَ يُصَالِحَ، وَلاَ يُبْرِئَ، وَلاَ يَهَبَ فَإِنْ فَعَلَ فَمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ بِهِ فَلاَ يَكُونُ وَكِيلاً فِيمَا لَمْ يُوَكِّلْهُ. وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِطَلَبِ حَدٍّ لَهُ أَوْ قِصَاصٍ قُبِلَتْ الْوَكَالَةُ عَلَى تَثْبِيتِ الْبَيِّنَةِ فَإِذَا حَضَرَ الْحَدَّ أَوْ الْقِصَاصَ لَمْ أَحْدُدْهُ، وَلَمْ أَقْصُصْ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَحْدُودُ لَهُ وَالْمُقْتَصُّ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يَعْزِلُهُ فَيُبْطِلُ الْقِصَاصَ وَيَعْفُو وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ وَهُوَ عِنْدَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَذَكَرَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ وَكَّلَهُ بِهِ وَصَدَّقَهُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَالُ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَإِذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْمَالِ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يُقِرَّ صَاحِبُ الْمَالِ بِأَنَّهُ وَكَّلَهُ أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى هَذَا الَّذِي ادَّعَى الْوَكَالَةَ دَيْنًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَمْ يُجْبَرْ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَالُ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ وَذَلِكَ أَنَّ إقْرَارَهُ إيَّاهُ بِهِ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلاَ يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عِنْدَ الْقَاضِي بِشَيْءٍ أَثْبَتَ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ عَلَى الْوَكَالَةِ وَجَعَلَهُ وَكِيلاً حَضَرَ مَعَهُ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ، وَلَيْسَ الْخَصْمُ مِنْ هَذَا بِسَبِيلٍ. وَإِذَا شَهِدَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لَهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَالْوَكَالَةُ غَيْرُ جَائِزَةٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَيَحْفَظُهُ وَيَدْفَعُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَغَيْرَهُ فَلَمَّا كَانَ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَغَيْرَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَكِيلاً حَتَّى يُبَيِّنَ الْوَكَالاَتِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ خُصُومَةٍ أَوْ عِمَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَقْبَلُ الْوَكَالَةَ مِنْ الْحَاضِرِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْعُذْرِ وَغَيْرِ الْعُذْرِ وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَكَّلَ عِنْدَ عُثْمَانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ فَقِيلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَكَانَ يُوَكِّلُ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَلاَ أَحْسَبُهُ إلَّا كَانَ يُوَكِّلُهُ عِنْدَ عُمَرَ، وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ إنَّ لِلْخُصُومَةِ قَحْمًا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: أَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّنَا فَرَجَمَهُ، وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا فَارْجُمْهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى مَا وَصَفْت مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ لِلْمَرْءِ وَعَلَيْهِ مَا أَظْهَرَ مِنْ الْقَوْلِ، وَأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَنْ أَقَرَّ مِنْ الْبَالِغِينَ غَيْرِ الْمَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمْ بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِهِ عُقُوبَةٌ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَتْلٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ قَطْعٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا مَحْجُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلاَءِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْفَرْضُ فِي بَدَنِهِ، وَلاَ يَسْقُطُ إقْرَارُهُ عَنْهُ فِيمَا لَزِمَهُ فِي بَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لاَ بَدَنِهِ، وَلاَ عَنْ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ مَالاً لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ عَلَى بَدَنِهِ بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِالْفَرْضِ كَمَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ لِلصَّلاَةِ وَهَذَا مَا لاَ أَعْلَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ سَمِعْت مِنْهُ مِمَّنْ أَرْضَى خِلاَفًا وَقَدْ أَمَرَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها بِعَبْدٍ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ فَقُطِعَ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْحَدُّ لِلَّهِ أَوْ بِشَيْءٍ أَوْجَبَهُ اللَّهُ لِآدَمِيٍّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَا أَقَرَّ بِهِ الْحُرَّانِ الْبَالِغَانِ غَيْرُ الْمَحْجُورَيْنِ فِي أَمْوَالِهِمَا بِأَيِّ وَجْهٍ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُمَا كَمَا أَقَرَّا بِهِ، وَمَا أَقَرَّ بِهِ الْحُرَّانِ الْمَحْجُورَانِ فِي أَمْوَالِهِمَا لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فِي حَالِ الْحَجْرِ وَلاَ بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ فِي الدُّنْيَا وَيَلْزَمُهُمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَأْدِيَتُهُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْحَجْرِ إلَى مَنْ أَقَرَّا لَهُ بِهِ وَسَوَاءٌ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ إذَا كَانَ لاَ يَلْزَمُ إلَّا أَمْوَالُهُمَا بِحَالٍ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُقِرَّا بِجِنَايَةِ خَطَأٍ أَوْ عَمْدٍ لاَ قِصَاصَ فِيهِ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ اسْتِهْلاَكِ مَالٍ فَكُلُّ ذَلِكَ سَاقِطٌ عَنْهُمَا فِي الْحُكْمِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا أَقَرَّا بِعَمْدٍ فِيهِ قِصَاصٌ لَزِمَهُمَا وَلِوَلِيِّ الْقِصَاصِ إنْ شَاءَ الْقِصَاصُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ عَلَيْهِمَا فَرْضًا فِي أَنْفُسِهِمَا وَإِنَّ مِنْ فَرْضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْقِصَاصَ فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ الْقِصَاصَ دَلَّ عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ أَنْ يَعْفُوَ الْقِصَاصَ وَيَأْخُذَ الْعَقْلَ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فَلَزِمَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِمَا الْبَالِغَيْنِ مَا أَقَرَّا بِهِ وَكَانَ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْخِيَارُ فِي الْقِصَاصِ وَعَفْوِهِ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مَكَانَهُ. وَهَكَذَا الْعَبْدُ الْبَالِغُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ جُرْحٍ أَوْ نَفْسٍ فِيهَا قِصَاصٌ فَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ أَوْ الْمَجْرُوحِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ أَوْ يَعْفُوَ الْقِصَاصَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَالاً لِلسَّيِّدِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا لاَ قِصَاصَ فِيهَا أَوْ خَطَأً لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْهَا شَيْءٌ وَيَلْزَمُهُ إذَا عَتَقَ يَوْمًا مَا فِي مَالِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَا أَقَرَّ بِهِ الْمَحْجُورَانِ مِنْ غَصْبٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ بَطَلَ عَنْهُمَا مَعًا فَيَبْطُلُ عَنْ الْمَحْجُورَيْنِ الْحُرَّيْنِ بِكُلِّ حَالٍ وَيَبْطُلُ عَنْ الْعَبْدِ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ وَيَلْزَمُهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا إذَا عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَبْطَلْتُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لاَ مِلْكَ لَهُ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ لاَ مِنْ جِهَةِ حَجْرِي عَلَى الْحُرِّ فِي مَالِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَسَوَاءٌ مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا، وَالْعَاقِلُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْمُقَصِّرُ إذَا كَانَ بَالِغًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ وَأُذِنَ لَهُ فِيهِ مِنْ التِّجَارَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا أَقَرَّ الْحُرَّانِ الْمَحْجُورَانِ وَالْعَبْدُ بِسَرِقَةٍ فِي مِثْلِهَا الْقَطْعُ قُطِعُوا مَعًا، وَلَزِمَ الْحُرَّيْنِ غُرْمُ السَّرِقَةِ فِي أَمْوَالِهِمَا، وَالْعَبْدُ فِي عُنُقِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ بَطَلَتْ الْغُرْمُ عَنْ الْمَحْجُورَيْنِ لِلْحَجْرِ وَالْعَبْدِ لِأَنَّهُ يُقِرُّ فِي رَقَبَتِهِ لَمْ أَقْطَعْ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لاَ يَبْطُلاَنِ إلَّا مَعًا، وَلاَ يَحِقَّانِ إلَّا مَعًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ أَقَرُّوا مَعًا بِسَرِقَةٍ بَالِغَةٍ مَا بَلَغَتْ لاَ قَطْعَ فِيهَا. أَبْطَلْتهَا عَنْهُمْ مَعًا عَنْ الْمَحْجُورَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مَمْنُوعَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمَا وَعَنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ فِي عُنُقِهِ بِلاَ حَدٍّ فِي بَدَنِهِ وَهَكَذَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُرْتَدُّ مِنْ هَؤُلاَءِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَلْزَمْتُهُ إيَّاهُ كَمَا أُلْزِمُهُ إيَّاهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَإِذَا أَقَرَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ مِنْ الرِّجَالِ، وَلاَ الْمَحِيضَ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِحَقٍّ لِلَّهِ أَوْ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَاقِطٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا خَاطَبَ بِالْفَرَائِضِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الْعَاقِلِينَ الْبَالِغِينَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلاَ نَنْظُرُ فِي هَذَا إلَى الْإِثْبَاتِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ إنْ قَالَ لَمْ أَبْلُغْ وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا أَقَرَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ وَقَدْ احْتَلَمَ، وَلَمْ يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَفَ إقْرَارُهُ فَإِنْ حَاضَ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَلاَ يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَ، وَلَمْ يَحْتَلِمْ لاَ يَجُوزُ إقْرَارُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِحَالٍ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهَذَا سَوَاءٌ فِي الْأَحْرَارِ وَالْمَمَالِيكِ إذَا قَالَ سَيِّدُ الْمَمْلُوكِ أَوْ أَبُو الصَّبِيِّ: لَمْ يَبْلُغْ. وَقَالَ الْمَمْلُوكُ أَوْ الصَّبِيُّ: قَدْ بَلَغْت. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَمْلُوكِ إذَا كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ فَإِنْ كَانَ لاَ يُشْبِهُ مَا قَالَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَوْ صَدَّقَهُ أَبُوهُ. أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ مِثْلَهُ لاَ يَبْلُغُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ أَقْبَلَ إقْرَارَهُ وَإِذَا أَبْطَلْته عَنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَمْ أُلْزِمْهُ الْحُرَّ، وَلاَ الْمَمْلُوكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَلاَ بَعْدَ الْعِتْقِ فِي الْحُكْمِ وَيَلْزَمُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُؤَدُّوا إلَى الْعِبَادِ فِي ذَلِكَ حُقُوقَهُمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: مَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ مَا كَانَ الْمَرَضُ، فَغَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَأَقَرَّ فِي حَالِ الْغَلَبَةِ عَلَى عَقْلِهِ فَإِقْرَارُهُ فِي كُلِّ مَا أَقَرَّ بِهِ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ لاَ فَرْضَ عَلَيْهِ فِي حَالِهِ تِلْكَ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَرَضُ بِشَيْءٍ أَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ لِيَتَدَاوَى بِهِ فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ أَوْ بِعَارِضٍ لاَ يُدْرَى مَا سَبَبُهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ شَرِبَ رَجُلٌ خَمْرًا أَوْ نَبِيذًا مُسْكِرًا فَسَكِرَ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَفَعَلَ مِمَّا لِلَّهِ وَلِلْآدَمِيِّينَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْفَرَائِضُ؛ وَلِأَنَّ عَلَيْهِ حَرَامًا وَحَلاَلاً وَهُوَ آثِمٌ بِمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ شُرْبِ الْمُحَرَّمِ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ مَا صَنَعَ؛ وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَنْ أُكْرِهَ فَأُوجِرَ خَمْرًا فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ ثُمَّ أَقَرَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لاَ ذَنْبَ لَهُ فِيمَا صَنَعَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا فِي حَالِ ضُرٍّ غَلَبَهُ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي ذَلِكَ حَدٌّ بِحَالٍ، لاَ لِلَّهِ، وَلاَ لِلْآدَمِيِّينَ كَأَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَطَعَ رَجُلاً أَوْ قَتَلَهُ أَوْ سَرَقَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ زَنَى فَلاَ يَلْزَمُهُ قِصَاصٌ، وَلاَ قَطْعٌ، وَلاَ حَدٌّ فِي الزِّنَا وَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَوْ الْمَجْرُوحِ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ الْأَرْشَ وَكَذَلِكَ لِلْمَسْرُوقِ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ السَّرِقَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَقْذُوفِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لاَ أَرْشَ لِلْقَذْفِ ثُمَّ هَكَذَا الْبَالِغُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ صَنَعَ مِنْ هَذَا فِي الصِّغَرِ لاَ يَخْتَلِفُ. أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ فِي حَالِ غَلَبَتِهِ عَلَى عَقْلِهِ وَصِغَرِهِ فَأَبْطَلْته عَنْهُ ثُمَّ قَامَتْ بِهِ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَخَذْت مِنْهُ مَا كَانَ فِي مَالِهِ دُونَ مَا كَانَ فِي بَدَنِهِ، فَإِقْرَارُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَكْثَرُ مِنْ بَيِّنَةٍ لَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ. وَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ أَنَّهُ فَعَلَ مِنْ هَذَا شَيْئًا وَهُوَ مَمْلُوكٌ بَالِغٌ أَلْزَمْته حَدَّ الْمَمْلُوكِ فِيهِ كُلَّهُ، فَإِنْ كَانَ قَذْفًا حَدَدْته أَرْبَعِينَ أَوْ زِنًا حَدَدْته خَمْسِينَ وَنَفَيْته نِصْفَ سَنَةٍ إذَا لَمْ يُحِدَّ قَبْلَ إقْرَارِهِ، أَوْ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ أَوْ رِجْلَهُ عَمْدًا اقْتَصَصْت مِنْهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُقْتَصُّ لَهُ أَخْذَ الْأَرْشِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِمَمْلُوكٍ يُقْتَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى مَمْلُوكٍ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ فَأُعْتِقَ أَلْزَمْته الْقِصَاصَ إلَّا أَنَّهُ يُخَالِفُ الْحُرَّ فِي خَصْلَةِ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ مَالٍ أَلْزَمْته إيَّاهُ نَفْسَهُ إذَا أُعْتِقَ؛ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارٍ كَمَا يُقِرُّ الرَّجُلُ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ فَأَجْعَلُهَا فِي مَالِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ تَلْزَمُ عُنُقَهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ أَلْزَمْت سَيِّدَهُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ جَنَى وَالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَحَالَ بِعِتْقِهِ دُونَ بَيْعِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَمَا أَقَرَّ بِهِ الصَّبِيُّ مِنْ حَدٍّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ الْآدَمِيِّ أَوْ حَقٍّ فِي مَالِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِقْرَارُهُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَذِنَ لَهُ بِهِ أَبُوهُ أَوْ وَلِيُّهُ مَنْ كَانَ أَوْ حَاكِمٌ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنْ فَعَلَ فَإِقْرَارُهُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ مَفْسُوخٌ، وَلَوْ أَجَزْت إقْرَارَهُ إذَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَجَزْت أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَبُوهُ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ فَأُلْزِمُهُ أَوْ يَأْمُرُهُ فَيَقْذِفُ رَجُلاً فَأَحُدُّهُ أَوْ يَجْرَحُ فَأَقْتَصُّ مِنْهُ فَكَانَ هَذَا وَمَا يُشْبِهُهُ أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مِنْ إقْرَارِهِ لَوْ أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَهُ بِأَمْرِ أَبِيهِ، وَأَمْرُ أَبِيهِ فِي التِّجَارَةِ لَيْسَ بِإِذْنٍ بِالْإِقْرَارِ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مَا يَلْزَمُ الْبَالِغَ بِحَالٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} الآيَةَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلِلْكُفْرِ أَحْكَامٌ كَفِرَاقِ الزَّوْجَةِ، وَأَنْ يُقْتَلَ الْكَافِرُ وَيُغْنَمَ مَالُهُ فَلَمَّا وَضَعَ اللَّهُ عَنْهُ سَقَطَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَوْلِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْظَمَ إذَا سَقَطَ عَنْ النَّاسِ سَقَطَ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ وَمَا يَكُونُ حُكْمُهُ بِثُبُوتِهِ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْإِكْرَاهُ أَنْ يَصِيرَ الرَّجُلُ فِي يَدَيْ مَنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ مُتَغَلِّبٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ وَيَكُونُ الْمُكْرَهُ يَخَافُ خَوْفًا عَلَيْهِ دَلاَلَةٌ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ قَوْلِ مَا أُمِرَ بِهِ يَبْلُغُ بِهِ الضَّرْبُ الْمُؤْلِمُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ أَوْ إتْلاَفُ نَفْسِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا خَافَ هَذَا سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ مَا كَانَ الْقَوْلُ شِرَاءً أَوْ بَيْعًا أَوْ إقْرَارًا لِرَجُلٍ بِحَقٍّ أَوْ حَدٍّ أَوْ إقْرَارًا بِنِكَاحٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلاَقٍ أَوْ إحْدَاثِ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا وَهُوَ مُكْرَهٌ فَأَيُّ هَذَا أَحْدَثَ وَهُوَ مُكْرَهٌ لَمْ يَلْزَمْهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ كَانَ لاَ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يَبْلُغُ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا وَصَفْت لَمْ يَسْعَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِمَّا وَصَفْت أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ فَعَلَهُ غَيْرَ خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَلْزَمْته حُكْمَهُ كُلَّهُ فِي الطَّلاَقِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ حُبِسَ فَخَافَ طُولَ الْحَبْسِ أَوْ قُيِّدَ فَخَافَ طُولَ الْقَيْدِ أَوْ أُوعِدَ فَخَافَ أَنْ يُوقِعَ بِهِ مِنْ الْوَعِيدِ بَعْضَ مَا وَصَفْت أَنَّ الْإِكْرَاهَ سَاقِطٌ بِهِ سَقَطَ عَنْهُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا لَهُ حُكْمٌ فَأَقَرَّ بَعْدَ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَمْ يَخَفْ أَنْ يُوَفَّى لَهُ بِوَعِيدٍ أَلْزَمْته مَا أَحْدَثَ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ حُبِسَ فَخَافَ طُولَ الْحَبْسِ أَوْ قُيِّدَ فَقَالَ ظَنَنْت أَنِّي إذَا امْتَنَعْت مِمَّا أُكْرِهْت عَلَيْهِ لَمْ يَنَلْنِي حَبْسٌ أَكْثَرُ مِنْ سَاعَةٍ أَوْ لَمْ يَنَلْنِي عُقُوبَةٌ خِفْت أَنْ لاَ يَسْقُطَ الْمَأْثَمُ عَنْهُ فِيمَا فِيهِ مَأْثَمٌ مِمَّا قَالَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَأَمَّا الْحُكْمُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي بِهِ الْكُرْهُ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ التَّخَلُّصِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ حُبِسَ ثُمَّ خُلِّيَ ثُمَّ أَقَرَّ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ وَهَكَذَا لَوْ ضُرِبَ ضَرْبَةً أَوْ ضَرَبَاتٍ ثُمَّ خُلِّيَ فَأَقَرَّ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْدُثْ لَهُ خَوْفٌ لَهُ سَبَبٌ فَأَحْدَثَ شَيْئًا لَزِمَهُ وَإِنْ أَحْدَثَ لَهُ أَمْرٌ فَهُوَ بَعْدَ سَبَبِ الضَّرْبِ، وَالْإِقْرَارُ سَاقِطٌ عَنْهُ. قَالَ: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ أَقْرَرْتُ لَك بِكَذَا، وَأَنَا مُكْرَهٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمُقَرِّ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ لَهُ غَيْرَ مُكْرَهٍ. قَالَ الرَّبِيعُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ مَحْبُوسًا وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ فُلاَنًا أَقَرَّ لِفُلاَنٍ وَهُوَ مَحْبُوسٌ بِكَذَا أَوْ لَدَى سُلْطَانٍ بِكَذَا فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَقْرَرْتُ لِغَمِّ الْحَبْسِ أَوْ لِإِكْرَاهِ السُّلْطَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَ السُّلْطَانِ غَيْرَ مُكْرَهٍ، وَلاَ يَخَافُ حِينَ شَهِدُوا أَنَّهُ أَقَرَّ غَيْرَ مَكْرُوهٍ، وَلاَ مَحْبُوسٍ بِسَبَبِ مَا أَقَرَّ لَهُ، وَهَذَا مَوْضُوعٌ بِنَصِّهِ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ سُئِلَ الرَّبِيعُ عَنْ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ؟ فَقَالَ لاَ أَعْرِفُهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَلاَ يَجُوزُ عِنْدِي أَنْ أُلْزِمَ أَحَدًا إقْرَارًا إلَّا بَيِّنَ الْمَعْنَى فَإِذَا احْتَمَلَ مَا أَقَرَّ بِهِ مَعْنَيَيْنِ أَلْزَمْتُهُ الْأَقَلَّ وَجَعَلْت الْقَوْلَ قَوْلَهُ، وَلاَ أُلْزِمُهُ إلَّا ظَاهِرَ مَا أَقَرَّ بِهِ بَيِّنًا، وَإِنْ سَبَقَ إلَى الْقَلْبِ غَيْرُ ظَاهِرِ مَا قَالَ، وَكَذَلِكَ لاَ أَلْتَفِت إلَى سَبَبِ مَا أَقَرَّ بِهِ إذَا كَانَ لِكَلاَمِهِ ظَاهِرٌ يَحْتَمِلُ خِلاَفَ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُجِيبُ عَلَى خِلاَفِ السَّبَبِ الَّذِي كُلِّمَ عَلَيْهِ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ عَلَى الظَّاهِرِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِفُلاَنٍ عَلَيَّ مَالٌ أَوْ عِنْدِي أَوْ فِي يَدِي أَوْ قَدْ اسْتَهْلَكْتُ مَالاً عَظِيمًا أَوْ قَالَ عَظِيمًا جِدًّا أَوْ عَظِيمًا عَظِيمًا فَكُلُّ هَذَا سَوَاءٌ وَيُسْأَلُ مَا أَرَادَ. فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالِ عَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ مَالاً صَغِيرًا أَوْ صَغِيرًا جِدًّا أَوْ صَغِيرًا صَغِيرًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ مَتَاعِهَا يَقَعُ عَلَيْهِ قَلِيلٌ. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ} وَقَلِيلُ مَا فِيهَا يَقَعُ عَلَيْهِ عَظِيمُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}. وَكُلُّ مَا أُثِيبَ عَلَيْهِ وَعُذِّبَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ كَثِيرٍ، وَهَكَذَا إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ وَسَطٌ أَوْ لاَ قَلِيلٌ، وَلاَ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إذَا جَازَ فِي الْكَثِيرِ كَانَ فِيمَا وَصَفْت أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْهُ أَجْوَزُ وَهَكَذَا إنْ قَالَ لَهُ عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ قَلِيلٌ. وَلَوْ قَالَ لِفُلاَنٍ عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ إلَّا مَالاً قَلِيلاً.: كَانَ هَكَذَا، وَلاَ يَجُوزُ إذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي مَالٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَقِيَ لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ فَأَقَلُّ الْمَالِ لاَزِمٌ لَهُ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مَالٌ وَافِرٌ، وَلَهُ عِنْدِي مَالٌ تَافِهٌ، وَلَهُ عِنْدِي مَالٌ مُغْنٍ كَانَ كُلُّهُ كَمَا وَصَفْت مِنْ مَالٍ كَثِيرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُغْنِي الْقَلِيلُ، وَلاَ يُغْنِي الْكَثِيرُ وَيُنْمَى الْقَلِيلُ إذَا بُورِكَ فِيهِ وَأُصْلِحَ وَيَتْلَفُ الْكَثِيرُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا كَانَ الْمُقِرُّ بِهَذَا حَيًّا قُلْت لَهُ أَعْطِ الَّذِي أَقْرَرْتَ لَهُ مَا شِئْت مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ وَاحْلِفْ لَهُ مَا أَقْرَرْتَ لَهُ بِغَيْرِ مَا أَعْطَيْتَهُ فَإِنْ قَالَ لاَ أُعْطِيهِ شَيْئًا جَبَرْته عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ مَكَانَهُ وَيَحْلِفُ مَا أَقَرَّ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَإِذَا حَلَفَ لَمْ أُلْزِمْهُ غَيْرَهُ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ قُلْت لِلَّذِي يَدَّعِي عَلَيْهِ ادَّعِ مَا أَحْبَبْت فَإِذَا ادَّعَى قُلْتُ لِلرَّجُلِ احْلِفْ عَلَى مَا ادَّعَى فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ أَبَى قُلْت لَهُ اُرْدُدْ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ حَلَفَ أَعْطَيْته وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ أُعْطِهِ شَيْئًا بِنُكُولِك حَتَّى يَحْلِفَ مَعَ نُكُولِك. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِالْمَالِ غَائِبًا أَقَرَّ بِهِ مِنْ صِنْفٍ مَعْرُوفٍ كَفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ فَسَأَلَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ قُلْنَا إنْ شِئْت فَانْتَظِرْ مَقْدِمَهُ أَوْ نَكْتُبُ لَك إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَإِنْ شِئْتَ أَعْطَيْنَاك مِنْ مَالِهِ الَّذِي أَقَرَّ فِيهِ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ، وَاشْهَدْ بِأَنَّهُ عَلَيْك فَإِنْ جَاءَ فَأَقَرَّ لَك بِأَكْثَرَ مِنْهُ أَعْطَيْتَ الْفَضْلَ كَمَا أَعْطَيْنَاك وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَك بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَقَدْ اسْتَوْفَيْت وَكَذَلِكَ إنْ جَحَدَك فَقَدْ أَعْطَيْنَاك أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ. وَإِنْ قَالَ مَالٌ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى شَيْءٍ لَمْ نُعْطِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَيَحْلِفُ أَوْ يَمُوتُ فَتَحْلِفُ وَرَثَتُهُ وَيُعْطِي مِنْ مَالِهِ أَقَلَّ الْأَشْيَاءِ قَالَ وَهَكَذَا إنْ كَانَ الْمُقِرُّ حَاضِرًا فَغَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَيَحْلِفُ عَلَى هَذَا الْمُدَّعِي مَا بَرِئَ مِمَّا أَقَرَّ لَهُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَيَجْعَلُ الْغَائِبَ وَالْمَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ عَلَى حُجَّتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمِثْلُ هَذَا إنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَذَا ثُمَّ مَاتَ وَأَجْعَلُ وَرَثَةَ الْمَيِّتِ عَلَى حُجَّتِهِ إنْ كَانَتْ لِلْمَيِّتِ حُجَّةٌ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ شَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ تَحْلِفَ لَهُ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ فَلاَ أُحَلِّفُهُمْ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَهُمْ فَإِنْ ادَّعَاهُ أَحَلَفْتهمْ مَا يَعْلَمُونَ أَبَاهُمْ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْته.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِفُلاَنٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلاَنٍ لِرَجُلٍ آخَرَ وَهُوَ يَعْرِفُ مَالَ فُلاَنٍ الَّذِي قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ أَوْ لاَ يَعْرِفُهُ أَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْمَالِ وَهُوَ يَعْرِفُ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْمَالِ أَوْ لاَ يَعْرِفُهُ فَسَوَاءٌ، وَأَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ مَا لَهُ عَلَيَّ حَلاَلٌ وَالْحَلاَلُ كَثِيرٌ وَمَالُ فُلاَنٍ الَّذِي قُلْت لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ حَرَامٌ وَهُوَ قَلِيلٌ؛ لِأَنَّ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلٌ لِقِلَّةِ بَقَائِهِ، وَلَوْ قَالَ قُلْت لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدِي أَبْقَى فَهُوَ أَكْثَرُ بِالْبَقَاءِ مِنْ مَالِ فُلاَنٍ وَمَا فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُتْلِفُهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ مَا أَرَادَ أَكْثَرَ فِي الْعَدَدِ، وَلاَ فِي الْقِيمَةِ وَكَانَ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَإِنْ مَاتَ أَوْ خَرِسَ أَوْ غُلِبَ فَهُوَ مِثْلُ الَّذِي قَالَ لَهُ عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ، وَلَوْ قَالَ لِفُلاَنٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ الْمَالِ أَوْ عَدَدِ مَا فِي يَدِ فُلاَنٍ مِنْ الْمَالِ كَانَ الْقَوْلُ فِي أَنَّ عِلْمَهُ أَنَّ عَدَدَ مَا فِي يَدِ فُلاَنٍ مِنْ الْمَالِ كَذَا قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ فَلَوْ قَالَ عَلِمْت أَنَّ عَدَدَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَقْرَرْت لَهُ بِأَحَدَ عَشَرَ حَلَفَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. وَلَوْ أَقَامَ الْمُقَرُّ لَهُ شُهُودًا أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ فِي يَدِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَمْ أُلْزِمْهُ أَكْثَرَ مِمَّا قَالَ إنْ عَلِمْت مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ فِي يَدِهِ أَلْفًا فَتَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ وَتَكُونُ لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَوْ أَنَّ الشُّهُودَ قَالُوا لَهُ نَشْهَدُ أَنَّ لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُكَذِّبُ الشُّهُودَ وَيُكَذِّبُهُ بِمَا ادَّعَى أَنَّ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَإِنْ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِكَلاَمِهِمْ وَقَدْ يَعْلَمُ لَوْ صَدَّقَهُمْ أَنَّ مَالَهُ هَلَكَ فَلاَ يَلْزَمُهُ مِمَّا لِغَرِيمِهِ إلَّا مَا أَحَطْنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَقْرَرْت لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهَا فُلُوسًا، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَقْرَرْت بِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهَا حَبَّ حِنْطَةٍ أَوْ غَيْرَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ لَك عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ ذَهَبًا فَالْقَوْلُ فِي الذَّهَبِ الرَّدِيءِ وَغَيْرِ الْمَضْرُوبِ قَوْلُ الْمُقِرِّ. وَلَوْ كَانَ قَالَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ لَك عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ مَالِكِ لَمْ أُلْزِمْهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ وَقُلْت لَهُ كَمْ مَالُهُ؟ فَإِنْ قَالَ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ أَوْ فَلْسٌ أَلْزَمْته أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ وَفَلْسٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُكَذِّبُهُ بِأَنَّ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ فَأَقَرَّ بَعْدَ شُهُودِ الْبَيِّنَةِ أَوْ قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُكَذِّبُ الْبَيِّنَةَ، وَلاَ أُلْزِمُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ قَدْ عَلِمْت أَنَّ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَقْرَرْت بِأَكْثَرَ مِنْهَا ذَهَبًا وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَلْزَمْته أَيَّ شَيْءٍ قَالَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِعَبْدِ رَجُلٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ أَوْ لِحُرٍّ أَوْ لِحُرَّةٍ مَحْجُورِينَ أَوْ غَيْرِ مَحْجُورِينَ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَكَانَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُ مَا أَقَرَّ بِهِ لِعَبْدِهِ وَلِوَلِيِّ الْمَحْجُورِينَ أَخْذُ مَا أَقَرَّ بِهِ لِلْمَحْجُورِينَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لِمَجْنُونٍ أَوْ زَمِنٍ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ كَانَ لَهُمْ أَخْذٌ بِهِ فَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِبِلاَدِ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ غَيْرَ مُكْرَهٍ أَلْزَمْتُهُ إقْرَارَهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْأَسْرَى إذَا كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ بِبِلاَدِ الْحَرْبِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَبَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَيْرُ مُكْرَهِينَ أَلْزَمْتهمْ ذَلِكَ كَمَا أُلْزِمُهُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلاَمِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ وَالْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ يُقِرُّ لِلْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ أُلْزِمُهُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِبَعِيرٍ لِرَجُلٍ أَوْ لِدَابَّةٍ لَهُ أَوْ لِدَارٍ لَهُ أَوْ لِهَذَا الْبَعِيرِ أَوْ لِهَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ لِهَذِهِ الدَّارِ عَلَى كَذَا لَمْ أُلْزِمْهُ شَيْئًا مِمَّا أَقَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْبَهَائِمَ وَالْحِجَارَةَ لاَ تَمْلِكُ شَيْئًا بِحَالٍ، وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ بِسَبَبِ هَذَا الْبَعِيرِ أَوْ سَبَبِ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ سَبَبِ هَذِهِ الدَّارِ كَذَا وَكَذَا لَمْ أُلْزِمْهُ إقْرَارَهُ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ بِسَبَبِهَا أَنْ أَحَالَتْ عَلَيَّ أَوْ حَمَلَتْ عَنِّي أَوْ حَمَلَتْ عَنْهَا وَهِيَ لاَ تُحِيلُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَحْمِلُ عَنْهَا بِحَالٍ، وَلَوْ وَصَلَ الْكَلاَمُ فَقَالَ عَلَيَّ بِسَبَبِهَا أَنِّي جَنَيْت فِيهَا جِنَايَةً أَلْزَمَتْنِي كَذَا وَكَذَا كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا لِمَالِكِهَا لاَزِمًا لِلْمُقِرِّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِسَيِّدِهَا عَلَيَّ بِسَبَبِهَا كَذَا وَكَذَا أَلْزَمْته ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ الْإِقْرَارَ لِلسَّيِّدِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُهُ بِسَبَبِهَا شَيْءٌ بِحَالٍ فَلاَ أُبْطِلُهُ عَنْهُ وَأُلْزِمُهُ بِحَالٍ وَلَوْ قَالَ لِسَيِّدِ هَذِهِ النَّاقَةِ عَلَيَّ بِسَبَبِ مَا فِي بَطْنِهَا كَذَا لَمْ أُلْزِمْهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مَا فِي بَطْنِهَا شَيْءٌ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَمْلاً فَلَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ جِنَايَةً لَهَا حُكْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ بِسَبَبِ مَا لاَ يَكُونُ بِسَبَبِ غُرْمٍ أَبَدًا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَذَا الشَّيْءُ يَصِفُهُ فِي يَدِهِ عَبْدٌ أَوْ دَارٌ أَوْ عَرْضٌ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ كَذَا وَكَذَا مِكْيَالاً حِنْطَةً لِمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لِامْرَأَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ لِرَجُلٍ وَلَدُهَا حُرٌّ فَأَبُو الْحَمْلِ أَوْ وَلِيُّهُ الْخَصْمُ فِي ذَلِكَ؛ وَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لِمَا فِي بَطْنِ أَمَةٍ لِرَجُلٍ فَمَالِكُ الْجَارِيَةِ الْخَصْمُ فِي ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ يَصِلْ الْمُقِرُّ إقْرَارَهُ بِشَيْءٍ فَإِقْرَارُهُ لاَزِمٌ لَهُ إنْ وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدًا حَيًّا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِشَيْءٍ مَا كَانَ، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى أَوْ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ فَمَا أَقَرَّ بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ حَيًّا وَمَيِّتًا أَقَرَّ بِهِ كُلِّهِ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا أَوْ وَلَدَيْنِ مَيِّتَيْنِ سَقَطَ الْإِقْرَارُ عَنْهُ. وَهَكَذَا إنْ وَلَدَتْ وَلَدًا حَيًّا أَوْ اثْنَيْنِ لِكَمَالِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ أَقَرَّ سَقَطَ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ بَعْدَ إقْرَارِهِ فَلاَ يَكُونُ أَقَرَّ بِشَيْءٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنَّمَا أُجِيزُ الْإِقْرَارَ إذَا عَلِمْت أَنَّهُ وَقَعَ لِبَشَرٍ قَدْ خُلِقَ وَإِذَا أَقَرَّ لِلْحَمْلِ فَوَلَدَتْ الَّتِي أَقَرَّ لِحَمْلِهَا وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالْآخَرُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالْإِقْرَارُ جَائِزٌ لَهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ قَدْ خَرَجَ بَعْضُهُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَحُكْمُ الْخَارِجِ بَعْدَهُ حُكْمُهُ فَإِذَا أَقَرَّ لِمَا فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ فَضَرَبَ رَجُلٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا سَقَطَ الْإِقْرَارُ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَإِنْ كَانَتْ أَلْقَتْهُ بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ خُلِقَ قَبْلَ الْإِقْرَارِ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ وَإِنْ أَشْكَلَ أَوْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُخْلَقَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ سَقَطَ الْإِقْرَارُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنَّمَا أَجَزْتُ الْإِقْرَارَ لِمَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا يُمْلَكُ بِالْوَصِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ يُمْلَكُ بِحَالٍ لَمْ أُبْطِلْ الْإِقْرَارَ لَهُ حَتَّى يُضِيفَ الْإِقْرَارَ إلَى مَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُمْلَكَ بِهِ مَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَسْلِفْنِي مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ حَمِّلْ عَنِّي مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَغُرْمُهَا أَوْ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لاَ يَكُونُ لِمَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ بِحَالٍ. قَالَ: وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ لِمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدِي هَذَا الْعَبْدُ أَوْ أَلْفُ دِرْهَمٍ غَصَبْته إيَّاهَا لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوصِي لَهُ بِمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ فَيَغْصِبُهُ إيَّاهُ؛ وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يَقُولَ ظَلَمْته إيَّاهُ وَمِثْلُهُ أَنْ يَقُولَ اسْتَسْلَفْته؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوصِي إلَيْهِ لِمَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ يَسْتَسْلِفُهُ. وَهَكَذَا لَوْ قَالَ اسْتَهْلَكْته عَلَيْهِ أَوْ أَهْلَكْته لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يَقُولُ أَسْلِفْنِيهِ مَا فِي بَطْنِهَا؛ لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا لاَ يُسَلِّفُ شَيْئًا، وَلَوْ قَالَ لِمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدِي أَلْفٌ أَوْصَى لَهُ بِهَا أَبِي كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ، فَإِنْ بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الْحَمْلِ بِأَنْ يُولَدَ مَيِّتًا كَانَتْ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ لِوَرَثَةِ أَبِيهِ. وَلَوْ قَالَ أَوْصَى لَهُ بِهَا فُلاَنٌ إلَيَّ فَبَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ كَانَتْ الْأَلْفُ لِوَرَثَةِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ أَوْصَى بِهَا لَهُ، وَلَوْ قَالَ لِمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ أَسْلَفَنِيهَا أَبُوهُ أَوْ غَصَبْتهَا أَبَاهُ كَانَ الْإِقْرَارُ لِأَبِيهِ فَإِنْ كَانَ أَبُوهُ مَيِّتًا فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَهِيَ لَهُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ لِمَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ، وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ غَصَبْتُهَا مِنْ مِلْكِهِ أَوْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ، فَأَلْزَمْته الْإِقْرَارَ فَخَرَجَ الْجَنِينُ مَيِّتًا فَسَأَلَ وَارِثُهُ أَخَذَهَا الْمُقِرُّ فَإِنْ جَحَدَ أَحَلَفْته، وَلَمْ أَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَإِنْ قَالَ: أَوْصَى بِهَا فُلاَنٌ لَهُ فَغَصَبْتهَا أَوْ أَقْرَرْت بِغَصْبِهَا كَاذِبًا رُدَّتْ إلَى وَرَثَةِ فُلاَنٍ فَإِنْ قَالَ قَدْ وَهَبْت لِهَذَا الْجَنِينِ دَارِي أَوْ تَصَدَّقْت بِهَا عَلَيْهِ أَوْ بِعْته إيَّاهَا لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا لاَ يَجُوزُ لِجَنِينٍ، وَلاَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِهَا لِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَةٍ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ غَصَبْتُك كَذَا فِي كَذَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ غَصَبْتُك ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا أَوْ طَعَامًا فِي رَجَبٍ سَنَةً كَذَا فَأَخْبَرَ بِالْحِينِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ وَالْجِنْسِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ فَكَذَلِكَ إنْ قَالَ غَصَبْتُك حِنْطَةً فِي بَلَدِ كَذَا أَوْ فِي صَحْرَاءَ أَوْ فِي أَرْضِ فُلاَنٍ أَوْ فِي أَرْضِك فَيَعْنِي الَّذِي أَصَابَ الْغَصْبَ أَنَّ الَّذِي فِيهِ غَيْرُ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ إنَّمَا جَعَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَصَابَ الْغَصْبَ فِيهِ دَلاَلَةً عَلَى أَنَّهُ غَصَبَهُ فِيهِ كَمَا جَعَلَ الشَّهْرَ دَلاَلَةً عَلَى أَنَّهُ غَصَبَ فِيهِ كَقَوْلِك غَصَبْتُك حِنْطَةً فِي أَرْضٍ وَغَصَبْتُك حِنْطَةً مِنْ أَرْضٍ وَغَصَبْتُك زَيْتًا فِي حَبٍّ وَغَصَبْتُك زَيْتًا مِنْ حَبٍّ وَغَصَبْتُك سَفِينَةً فِي بَحْرٍ وَغَصَبْتُك سَفِينَةً مِنْ بَحْرٍ وَغَصَبْتُك بَعِيرًا فِي مَرْعَى وَغَصَبْتُك بَعِيرًا مِنْ مَرْعَى وَبَعِيرًا فِي بَلَدِ كَذَا وَمِنْ بَلَدِ كَذَا وَغَصَبْتُك كَبْشًا فِي خَيْلٍ وَكَبْشًا مِنْ خَيْلٍ يَعْنِي فِي جَمَاعَةِ خَيْلٍ وَغَصَبْتُك عَبْدًا فِي إمَاءٍ وَعَبْدًا مِنْ إمَاءٍ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مَعَ إمَاءٍ وَعَبْدًا فِي غَنَمٍ وَعَبْدًا فِي إبِلٍ وَعَبْدًا مِنْ غَنَمٍ وَعَبْدًا مِنْ إبِلٍ كَقَوْلِهِ غَصَبْتُك عَبْدًا فِي سِقَاءٍ وَعَبْدًا فِي رَحًى لَيْسَ أَنَّ السِّقَاءَ وَالرَّحَى مِمَّا غَصَبَ، وَلَكِنَّهُ وَصَفَ أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا كَمَا وَصَفَ أَنَّهُ كَانَ فِي إبِلٍ أَوْ غَنَمٍ. وَهَكَذَا إنْ قَالَ غَصَبْتُك حِنْطَةً فِي سَفِينَةٍ أَوْ فِي جِرَابٍ أَوْ فِي غِرَارَةٍ أَوْ فِي صَاعٍ فَهُوَ غَاصِبٌ لِلْحِنْطَةِ دُونَ مَا وَصَفَ أَنَّهَا كَانَتْ فِيهِ وَقَوْلُهُ فِي سَفِينَةٍ وَفِي جِرَابٍ كَقَوْلِهِ مِنْ سَفِينَةٍ وَجِرَابٍ لاَ يَخْتَلِفَانِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ غَصَبْتُك ثَوْبًا قُوهِيًّا فِي مِنْدِيلٍ أَوْ ثِيَابًا فِي جِرَابٍ أَوْ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ ثَوْبًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ أَوْ دَنَانِيرَ فِي خَرِيطَةٍ لاَ يَخْتَلِفُ كُلُّ هَذَا قَوْلُهُ فِي كَذَا وَمِنْ كَذَا سَوَاءٌ فَلاَ يَضْمَنُ إلَّا مَا أَقَرَّ بِغَصْبِهِ لاَ مَا وَصَفَ أَنَّ الْمَغْصُوبَ كَانَ فِيهِ لَهُ. قَالَ: وَهَكَذَا لَوْ قَالَ غَصَبْتُك فَصًّا فِي خَاتَمٍ أَوْ خَاتَمًا فِي فَصٍّ أَوْ سَيْفًا فِي حَمَّالَةٍ أَوْ حَمَّالَةً فِي سَيْفٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا قَدْ يَتَمَيَّزُ مِنْ صَاحِبِهِ فَيُنْزَعُ الْفَصُّ مِنْ الْخَاتَمِ وَالْخَاتَمُ مِنْ الْفَصِّ وَيَكُونُ السَّيْفُ مُعَلَّقًا بِالْحَمَّالَةِ لاَ مَشْدُودَةً إلَيْهِ وَمَشْدُودَةً إلَيْهِ فَتُنْزَعُ مِنْهُ. قَالَ: وَهَكَذَا إنْ قَالَ غَصَبْتُك حِلْيَةً مِنْ سَيْفٍ أَوْ حِلْيَةً فِي سَيْفٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ عَلَى السَّيْفِ فَيُنْزَعُ. قَالَ: وَهَكَذَا إنْ قَالَ غَصَبْتُك شَارِبَ سَيْفٍ أَوْ نَعْلَهُ فَهُوَ غَاصِبٌ لِمَا وَصَفْت دُونَ السَّيْفِ وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ غَصَبْتُك طَيْرًا فِي قَفَصٍ أَوْ طَيْرًا فِي شَبَكَةٍ أَوْ طَيْرًا فِي شِنَاقٍ كَانَ غَاصِبًا لِلطَّيْرِ دُونَ الْقَفَصِ وَالشَّبَكَةِ وَالشِّنَاقِ وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ غَصَبْتُك زَيْتًا فِي جَرَّةً أَوْ زَيْتًا فِي زِقٍّ أَوْ عَسَلاً فِي عُكَّةٍ أَوْ شَهِدَا فِي جُونَةٍ أَوْ تَمْرًا فِي قِرْبَةٍ أَوْ جُلَّةٍ كَانَ غَاصِبًا لِلزَّيْتِ دُونَ الْجَرَّةِ وَالزِّقِّ وَالْعَسَلِ دُونَ الْعُكَّةِ وَالشَّهْدِ دُونَ الْجَوْنَةِ وَالتَّمْرِ دُونَ الْقِرْبَةِ وَالْجُلَّةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ غَصَبْتُك جَرَّةً فِيهَا زَيْتٌ وَقَفَصًا فِيهِ طَيْرٌ وَعُكَّةَ فِيهَا سَمْنٌ كَانَ غَاصِبًا لِلْجَرَّةِ دُونَ الزَّيْتِ وَالْقَفَصِ دُونَ الطَّيْرِ وَالْعُكَّةِ دُونَ السَّمْنِ، وَلاَ يَكُونُ غَاصِبًا لَهُمَا مَعًا إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ يَقُولُ غَصَبْتُك عُكَّةً وَسَمْنًا وَجَرَّةً وَزَيْتًا، فَإِذَا قَالَ هَذَا فَهُوَ غَاصِبٌ لِلشَّيْئَيْنِ. وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنْ قَالَ غَصَبْته سَمْنًا فِي عُكَّةٍ أَوْ سَمْنًا وَعُكَّةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا سَمْنٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَيِّ سَمْنٍ أَقَرَّ بِهِ، وَأَيِّ عُكَّةٍ أَقَرَّ لَهُ بِهَا، وَإِذَا قَالَ غَصَبْتُك سَرْجًا عَلَى حِمَارٍ أَوْ حِنْطَةً عَلَى حِمَارٍ فَهُوَ غَاصِبٌ لِلسَّرْجِ دُونَ الْحِمَارِ وَالْحِنْطَةِ دُونَ الْحِمَارِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: غَصَبْتُك حِمَارًا عَلَيْهِ سَرْجٌ أَوْ حِمَارًا مُسَرَّجًا كَانَ غَاصِبًا لِلْحِمَارِ دُونَ السَّرْجِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ غَصَبْتُك ثِيَابًا فِي عَيْبَةٍ كَانَ غَاصِبًا لِلثِّيَابِ دُونَ الْعَيْبَةِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ غَصَبْتُك عَيْبَةً فِيهَا ثِيَابٌ كَانَ غَاصِبًا لِلْعَيْبَةِ دُونَ الثِّيَابِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ غَصَبْتُك شَيْئًا لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ فِي الشَّيْءِ قَوْلُهُ فَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ غَصَبَهُ شَيْئًا أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ، فَإِذَا امْتَنَعَ حَبَسَهُ حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ، فَإِذَا فَعَلَ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُدَّعِي وَإِلَّا أَحْلَفَهُ مَا غَصَبَهُ إلَّا مَا ذَكَرَ ثُمَّ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَتِهِ وَيَحْلِفُونَ مَا غَصَبَهُ غَيْرُهُ وَيُوقَفُ مَالُ الْمَيِّتِ عَنْهُمْ حَتَّى يُقِرُّوا لَهُ بِشَيْءٍ وَيَحْلِفُونَ مَا عَلِمُوا غَيْرَهُ، وَإِذَا قَالَ غَصَبْتُك شَيْئًا ثُمَّ أَقَرَّ بِشَيْءٍ بِإِلْزَامِ الْحَاكِمِ أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَوْ بِغَيْرِ إلْزَامِهِ فَسَوَاءٌ، وَلاَ يَلْزَمُهُ إلَّا ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مِمَّا يَحِلُّ أَنْ يَمْلِكَ بِحَالٍ جُبِرَ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَإِنْ فَاتَ فِي يَدِهِ جُبِرَ عَلَى أَدَاءِ قِيمَتِهِ إلَيْهِ إذَا كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ، وَالْقَوْلُ فِي قِيمَتِهِ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَحِلُّ أَنْ يَمْلِكَ أُحْلِفَ مَا غَصَبَهُ غَيْرَهُ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ. وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ فَلْسًا أَوْ حِمَارًا فَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ كَلْبًا جَبَرْته عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ مِلْكُ الْكَلْبِ، فَإِنْ مَاتَ الْكَلْبُ فِي يَدَيْهِ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى دَفْعِ شَيْءٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لاَ ثَمَنَ لَهُ؛ وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ جَبَرْته عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَإِنْ فَاتَ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى دَفْعِ قِيمَتِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لاَ ثَمَنَ لَهُ مَا لَمْ يُدْبَغْ فَإِنْ كَانَ مَدْبُوغًا دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ فَاتَ؛ لِأَنَّ ثَمَنَهُ يَحِلُّ إذَا دُبِغَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، وَأَهْرَقْت عَلَيْهِ الْخَمْرَ وَذَبَحْت الْخِنْزِيرَ، وَأَلْغَيْته إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، وَلاَ ثَمَنَ لِهَذَيْنِ، وَلاَ يَحِلُّ أَنْ يُمْلَكَا بِحَالٍ. وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ حِنْطَةً فَفَاتَتْ رَدَّ إلَيْهِ مِثْلَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِثْلٌ فَقِيمَتُهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَهُ مِثْلٌ يُرَدُّ مِثْلُهُ، فَإِنْ فَاتَ يُرَدُّ قِيمَتُهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ الْكَثِيرُ الْمَالِ غَصَبْت فُلاَنًا لِرَجُلٍ كَثِيرِ الْمَالِ شَيْئًا أَوْ شَيْئًا لَهُ بَالٌ فَهُوَ كَالْفَقِيرِ يُقِرُّ لِلْفَقِيرِ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَقَرَّ بِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ فَلْسٍ أَوْ حَبَّةٍ حِنْطَةٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ قَالَ: غَصَبْته أَشْيَاءَ قِيلَ أَدِّ إلَيْهِ ثَلاَثَةَ أَشْيَاءَ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ ظَاهِرِ الْجِمَاعِ فِي كَلاَمِ النَّاسِ، وَأَيُّ ثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ قَالَ هِيَ هِيَ فَهِيَ هِيَ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنْ قَالَ هِيَ ثَلاَثَةُ أَفْلُسٍ أَوْ هِيَ فَلْسٌ وَدِرْهَمٌ وَتَمْرَةٌ أَوْ هِيَ ثَلاَثُ تَمَرَاتٍ أَوْ هِيَ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ ثَلاَثَةُ أَعْبُدَ أَوْ عَبْدٌ، وَأَمَةٌ وَحِمَارٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ اخْتَلَفَتْ أَوْ اتَّفَقَتْ فَسَوَاءٌ، وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُك، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ غَصَبْتُك مَا تَعْلَمُ لَمْ أُلْزِمْهُ بِهَذَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ فَيُدْخِلُهُ الْمَسْجِدَ أَوْ الْبَيْتَ لِغَيْرِ مَكْرُوهٍ وَيَغْصِبُهُ فَيَمْنَعُهُ بَيْتَهُ فَلاَ أُلْزِمُهُ حَتَّى يَقُولَ غَصَبْتُك شَيْئًا، وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُك شَيْئًا فَقَالَ عَنَيْت نَفْسَك لَمْ أَقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ غَصَبْتُك شَيْئًا، فَإِنَّمَا ظَاهِرُهُ غَصَبْت مِنْك شَيْئًا، وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُك وَغَصَبْتُك مِرَارًا كَثِيرَةً لَمْ أُلْزِمْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ كَمَا وَصَفْت. قَالَ: وَلَوْ سُئِلَ فَقَالَ: لَمْ أَغْصِبْهُ شَيْئًا، وَلاَ نَفْسَهُ لَمْ أُلْزِمْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ غَصَبَهُ شَيْئًا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ غَصَبَ الرَّجُلَ أَرْضًا ذَاتَ غَرْسٍ أَوْ غَيْرَ ذَاتِ غَرْسٍ أَوْ دَارًا ذَاتَ بِنَاءٍ أَوْ غَيْرَ ذَاتِ بِنَاءٍ أَوْ بَيْتًا فَكُلُّ هَذَا أَرْضٌ وَالْأَرْضُ لاَ تُحَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ قَدْ يُحَوَّلُ، فَإِنْ قَالَ الْمُقِرُّ بِالْغَصْبِ بَعْدَ قَطْعِهِ الْكَلاَمَ أَوْ مَعَهُ إنَّمَا أَقْرَرْت بِشَيْءٍ غَصَبْتُك بِبَلَدِ كَذَا فَسَوَاءٌ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَأَيُّ شَيْءٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ سِوَاهُ أَحْلَفَ الْغَاصِبَ مَا غَصَبَهُ غَيْرَ هَذَا وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ مَاتَ الْغَاصِبُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَتِهِ فَإِنْ قَالُوا لاَ نَعْلَمُ شَيْئًا قِيلَ لِلْمَغْصُوبِ ادَّعِ مَا شِئْت مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي هَذَا الْبَلَدِ فَإِذَا ادَّعَى قِيلَ لِلْوَرَثَةِ احْلِفُوا مَا تَعْلَمُونَهُ هُوَ، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا، وَإِلَّا لَزِمَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بَعْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْغَاصِبُ، فَإِنْ نَكَلُوا حَلَفَ الْمَغْصُوبُ وَاسْتَحَقَّ مَا ادَّعَى. وَإِنْ أَبَى الْمَغْصُوبُ أَنْ يَحْلِفَ، وَلاَ الْوَرَثَةُ وُقِفَ مَالُ الْمَيِّتِ حَتَّى يُعْطِيَهُ الْوَرَثَةُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَا وَصَفْت أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ وَيَحْلِفُونَ مَا يَعْلَمُونَهُ غَصَبَهُ غَيْرَهُ، وَلاَ يُسَلَّمُ لَهُمْ مِيرَاثُهُ إلَّا بِمَا وَصَفْت، وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ قَالَ غَصَبْته دَارًا بِمَكَّةَ ثُمَّ قَالَ أَقْرَرْت لَهُ بِبَاطِلٍ وَمَا أَعْرِفُ الدَّارَ الَّتِي غَصَبْته إيَّاهَا قِيلَ إنْ أَعْطَيْته دَارًا بِمَكَّةَ مَا كَانَتْ الدَّارُ وَحَلَفْت مَا غَصَبْته غَيْرَهَا بَرِئْت، وَإِنْ امْتَنَعْت وَادَّعَى دَارًا بِعَيْنِهَا قِيلَ احْلِفْ مَا غَصَبْته إيَّاهَا فَإِنْ حَلَفْتَ بَرِئْت وَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ حَلَفَ فَاسْتَحَقَّهَا، وَإِذَا امْتَنَعَ وَامْتَنَعْتَ مِنْ الْيَمِينِ حُبِسْت أَبَدًا حَتَّى تُعْطِيَهُ دَارًا وَتَحْلِفَ مَا غَصَبْته غَيْرَهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ مَتَاعًا يُحَوَّلُ. مِثْلُ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَقَالَ غَصَبْتُك كَذَا بِبَلَدِ كَذَا بِكَلاَمٍ مَوْصُولٍ وَكَذَّبَهُ الْمَغْصُوبُ وَقَالَ مَا غَصَبْتنِيهِ بِهَذَا الْبَلَدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِالْغَصْبِ إلَّا بِالْبَلَدِ الَّذِي سَمَّى فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَخَذَ بِأَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ مَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ لاَ مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَفَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ بَاعَهُ إيَّاهَا بِبَلَدٍ أُخِذَ بِهَا حَيْثُ طَلَبَهُ بِهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَذَلِكَ فَصُّ يَاقُوتٍ أَوْ زَبَرْجَدٍ أَوْ لُؤْلُؤٍ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ يُؤْخَذُ بِهِ حَيْثُ قَامَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَقِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ عَبْدًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ مَتَاعًا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً أَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ غَيْرَهُ فَلِحَمْلِ هَذَا وَمُشَابِهِهِ مُؤْنَةٌ جُبِرَ الْمَغْصُوبُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْتَضِيهِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ، فَإِنْ مَاتَ قَبَضَ قِيمَتَهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَتَهُ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي يُحَاكِمُهُ بِهِ، وَلاَ أُكَلِّفُهُ لَوْ كَانَ طَعَامًا أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ لِتَفَاوُتِ الطَّعَامِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا مَعًا فَأُجِيزُ بَيْنَهُمَا مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمِثْلُ هَذَا: الثِّيَابُ وَغَيْرُهَا مِمَّا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ. قَالَ وَمِثْلُ هَذَا: الْعَبْدُ يَغْصِبُهُ إيَّاهُ بِالْبَلَدِ، ثُمَّ يَقُولُ الْمُغْتَصِبُ قَدْ أَبَقَ الْعَبْدُ أَوْ فَاتَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، وَلاَ يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا دَيْنًا عَلَيْهِ وَإِذَا قَضَيْت لَهُ بِقِيمَةِ الْفَائِتِ مِنْهُ عَبْدًا كَانَ أَوْ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَحِلَّ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَهُ سَيِّدَهُ الَّذِي غَصَبَهُ مِنْهُ، فَإِذَا أَحْضَرَهُ سَيِّدَهُ الَّذِي غَصَبَهُ مِنْهُ جَبَرْتُ سَيِّدَهُ عَلَى قَبْضِهِ مِنْهُ وَرَدِّ الثَّمَنِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ سَيِّدِهِ ثَمَنُهُ قُلْت لَهُ بِعْهُ إيَّاهُ بَيْعًا جَدِيدًا بِمَا لَهُ عَلَيْك إنْ رَضِيتُمَا حَتَّى يَحِلَّ لَهُ مِلْكُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِعْت الْعَبْدَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَأَعْطَيْت الْمُغْتَصِبَ مِثْلَ مَا أُخِذَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رَدَدْت عَلَى سَيِّدِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ فَلاَ شَيْءَ يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَصَ ثَمَنُهُ عَمَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ بِتَغَيُّرِ سُوقٍ رَدَدْته عَلَى سَيِّدِهِ بِالْفَضْلِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ كَانَ لِسَيِّدِهِ غُرَمَاءُ لَمْ أُشْرِكُهُمْ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ قَدْ أَعْطَى الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ. قَالَ: وَهَكَذَا أَصْنَعُ بِوَرَثَةِ الْمَغْصُوبِ إنْ مَاتَ الْمَغْصُوبُ، وَأَحْكُمُ لِلْغَاصِبِ الْعَبْدُ إلَّا أَنِّي إنَّمَا أَصْنَعُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لاَ أَمْوَالِهِمْ وَهَكَذَا الطَّعَامُ يَغْصِبُهُ فَيُحْضِرُهُ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ هُوَ وَالثِّيَابُ وَغَيْرُهَا كَالْعَبْدِ لاَ تَخْتَلِفُ، فَإِنْ كَانَ أَحْضَرَ الْعَبْدَ مَيِّتًا فَهُوَ كَأَنْ لَمْ يُحْضِرْهُ، وَلاَ أَرُدُّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ وَإِنْ أَحْضَرَهُ مَعِيبًا أَيَّ عَيْبٍ كَانَ مَرِيضًا أَوْ صَحِيحًا دَفَعْته إلَى سَيِّدِهِ وَحَسَبْت عَلَى الْغَاصِبِ خَرَاجَهُ مِنْ يَوْمِ غَصَبَهُ وَمَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ فِي بَدَنِهِ، وَأَلْزَمْته مَا وَصَفْت. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ أَحْضَرَ الطَّعَامَ مُتَغَيِّرًا أَلْزَمْته الطَّعَامَ وَجَعَلْت عَلَى الْغَاصِبِ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ، وَلَوْ أَحْضَرَهُ قَدْ رَضَّهُ حَتَّى صَارَ لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلاَ قِيمَةَ لَهُ أَلْزَمْته الْغَاصِبَ وَكَانَ كَتَلَفِهِ وَمَوْتِ الْعَبْدِ وَعَلَيْهِ مِثْلُ الطَّعَامِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ عَبْدٍ وَغَيْرِهِ غَائِبًا لِلْغَاصِبِ أَعْطِهِ قِيمَتَهُ فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَغْصُوبِ حَلِّلْهُ مِنْ حَبْسِهِ أَوْ صَيِّرْهُ مِلْكًا لَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِك وَلِلْغَاصِبِ: اقْبَلْ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلاَ أُجْبِرُ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى هَذَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ غَصَبْته هَذِهِ الدَّارَ وَهَذَا الْعَبْدَ أَوْ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ هَذَا كَتَبَ إقْرَارَهُ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَقَدْ بَاعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ وَهَبَهَا لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ وَقَبَضَهَا أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَفِيهَا قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ لِصَاحِبِ الدَّارِ إنْ كَانَ لَك بَيِّنَةٌ عَلَى مِلْكِ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ إقْرَارِ الْغَاصِبِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا مِنْ يَدِهِ إلَى مَنْ أَخْرَجَهَا إلَيْهِ أُخِذَ لَكَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَك بَيِّنَةٌ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُ الْغَاصِبِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَقَرَّ فِيهَا وَقَضَيْنَا الْمَغْصُوبَ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ. وَهَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلاَنِ أَنَّهُ غَصَبَ دَارًا بِعَيْنِهَا فَأَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ يَمْلِكُهَا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهَا قَطُّ قَضَى بِالدَّارِ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهَا بِإِقْرَارِهِ وَقِيمَتُهَا لِلْآخَرِ بِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَكَذَا كُلُّ مَا أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ رَجُلاً، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ غَيْرَهُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا إذَا كَانَا لاَ يَدَّعِيَانِ أَنَّهُ غَصَبَهُمَا إلَّا الدَّارَ أَوْ الشَّيْءَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ لَهُمَا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَلاَ شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْآخَرِ بِحَالٍ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُمَا يُبْرِئَانِهِ مِنْ عَيْنِ مَا يُقِرُّ بِهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ أَرَأَيْت إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ هَذَا هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهَا الْآخَرَ بِأَلْفٍ وَالدَّارُ تَسْوَى آلاَفًا أَتَجْعَلُهَا بَيْعًا لِلْأَوَّلِ وَتَجْعَلُ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يُحَاصُّهُ بِأَلْفٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا، أَوْ أَرَأَيْت لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ الْعِتْقِ أَتَجْعَلُ لِلْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ؟ أَوَرَأَيْت لَوْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ بَيْعِهِ أَيُنْقَضُ الْبَيْعُ أَوْ يَتِمُّ؟ إنَّمَا يَكُونُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ قَدْ بِعْتَنِي حُرًّا فَأَعْطِنِي ثَمَنِي أَرَأَيْت لَوْ مَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ قَدْ بِعْت أَبَانَا حُرًّا فَأَعْطِنَا ثَمَنَهُ أَوْ زِيَادَةَ مَا يَلْزَمُك بِأَنَّك اسْتَهْلَكْته أَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا أَوْ يَكُونَ إنَّمَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلاَ يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلاَ يَضْمَنُ بِإِقْرَارِهِ شَيْئًا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذَا الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ وَكِلاَهُمَا يَدَّعِيهِ وَيَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ الَّذِي يُنَازِعُهُ فِيهِ لَمْ يَمْلِكْ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ وَسَأَلَ يَمِينَ الْمُقِرِّ بِالْغَصْبِ قِيلَ لَهُ إنْ أَقْرَرْت لِأَحَدِهِمَا وَحَلَفْت لِلْآخَرِ فَهُوَ لِلَّذِي أَقْرَرْت لَهُ بِهِ وَلاَ تِبَاعَةَ لِلْآخَرِ عَلَيْك وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا تَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا غَصَبْته ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ يَدَيْك فَيُوقَفُ لَهَا وَيُجْعَلاَنِ خَصْمًا فِيهِ فَإِنْ أَقَامَا مَعًا عَلَيْهِ بَيِّنَةً لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ تُكَذِّبُ الْأُخْرَى وَكَانَ بِحَالِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ لَهُ غَصْبُهُ إيَّاهُ فَإِنْ حَلَفَا فَهُوَ مَوْقُوفٌ أَبَدًا حَتَّى يَصْطَلِحَا فِيهِ فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ كَانَ لِلْحَالِفِ وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ بَيِّنَةً دُونَ الْآخَرِ جَعَلْته لِلَّذِي أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَلاَ تِبَاعَةَ عَلَى الْغَاصِبِ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْت. وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: غَصَبْت هَذَا الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الْأَمَةَ فَادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُمَا مَعًا قِيلَ لِلْمُقِرِّ احْلِفْ أَنَّك لَمْ تَغْصِبْهُ أَيَّهُمَا شِئْت وَسَلِّمْ لَهُ الْآخَرُ فَإِنْ قَالَ أَحْلِفُ مَا غَصَبْته وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَقِيلَ: أَحَدُهُمَا لَهُ بِإِقْرَارِك فَاحْلِفْ عَلَى أَيِّهِمَا شِئْت فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ عَلَى أَيِّهِمَا شِئْت فَإِنْ حَلَفَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُ عَلَيْهِمَا مَعًا قِيلَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ حَلَفْت وَإِلَّا أَحْلَفْنَا الْمُدَّعِيَ فَسَلَّمْنَاهُمَا لَهُ مَعًا فَإِنْ فَاتَا فِي يَدِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَالْحُكْمُ كَهُوَ لَوْ كَانَا حَيَّيْنِ إلَّا أَنَّا إذَا أَلْزَمْنَاهُ أَحَدَهُمَا ضَمَّنَاهُ قِيمَتَهُ بِالْفَوْتِ فَأَنْ أَبَيَا مَعًا يَحْلِفَا وَسَأَلَ الْمَغْصُوبُ أَنْ يُوقِفَا لَهُ وَقْفًا حَتَّى يُقِرَّ الْغَاصِبُ بِأَحَدِهِمَا وَيَحْلِفَ قَالَ، وَإِنْ أَقَرَّ الْغَاصِبُ بِأَحَدِهِمَا لِلْمَغْصُوبِ فَادَّعَى الْمَغْصُوبُ أَنَّهُ حَدَثَ بِالْعَبْدِ عِنْدَهُ عَيْبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمَغْصُوبِ.
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: الْعَارِيَّةُ كُلُّهَا مَضْمُونَةٌ، الدَّوَابُّ وَالرَّقِيقُ وَالدُّورُ وَالثِّيَابُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهَا، فَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا فَتَلِفَ فِي يَدِهِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ وَالْأَشْيَاءُ لاَ تَخْلُو أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً أَوْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَضْمُونًا مِثْلُ الْغَصْبِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَسَوَاءٌ مَا ظَهَرَ مِنْهَا هَلاَكُهُ وَمَا خَفِيَ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَصْبِ وَالْمُسْتَسْلِفُ جَنَيَا فِيهِ أَوْ لَمْ يَجْنِيَا أَوْ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ مِثْلُ الْوَدِيعَةِ فَسَوَاءٌ مَا ظَهَرَ هَلاَكُهُ وَمَا خَفِيَ فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمُسْتَوْدِعِ مَعَ يَمِينِهِ. وَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي الْعَارِيَّةِ فَقَالَ لاَ يَضْمَنُ شَيْئًا إلَّا مَا تَعَدَّى فِيهِ فَسُئِلَ مِنْ أَيْنَ قَالَهُ؟ فَزَعَمَ أَنَّ شُرَيْحًا قَالَ: وَقَالَ مَا حُجَّتُكُمْ فِي تَضْمِينِهَا؟ قُلْنَا: اسْتَعَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَفْوَانَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ». قَالَ: أَفَرَأَيْت إذَا قُلْنَا فَإِنْ شَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ الضَّمَانَ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ لَمْ يَضْمَنْ؟ قُلْنَا فَأَنْتَ إذًا تَتْرُكُ قَوْلَك. قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْنَا: أَلَيْسَ قَوْلُك أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ؟ قَالَ بَلَى. قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا اشْتَرَطَ الْمُسْتَوْدِعُ أَنَّهُ ضَامِنٌ أَوْ الْمُضَارِبُ؟ قَالَ لاَ يَكُونُ ضَامِنًا. قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي الْمُسْتَسْلِفِ إذَا اشْتَرَطَ أَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ؟ قَالَ لاَ شَرْطَ لَهُ وَيَكُونُ ضَامِنًا. قُلْنَا: وَيَرُدُّ الْأَمَانَةَ إلَى أَصْلِهَا وَالْمَضْمُونَ إلَى أَصْلِهِ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ فِيهِمَا جَمِيعًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَك أَنْ تَقُولَ فِي الْعَارِيَّةِ وَبِذَلِكَ شَرَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، وَلاَ يَشْتَرِطُ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ إلَّا مَا يَلْزَمُ. قَالَ: فَلِمَ شَرَطَ؟ قُلْنَا لِجَهَالَةِ صَفْوَانَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا لاَ يَعْرِفُ الْحُكْمَ، وَلَوْ عَرَفَهُ مَا ضَرَّ الشَّرْطُ إذَا كَانَ أَصْلُ الْعَارِيَّةِ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِلاَ شَرْطٍ كَمَا لاَ يَضُرُّ شَرْطُ الْعُهْدَةِ وَخَلاَصُ عَقْدِك فِي الْبَيْعِ. وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ كَانَ عَلَيْهِ الْعُهْدَةُ وَالْخَلاَصُ أَوْ الرَّدُّ قَبْلُ فَهَلْ قَالَ هَذَا أَحَدٌ؟ قُلْنَا فِي هَذَا كِفَايَةٌ وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما إنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ وَكَانَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَعِيرٍ اُسْتُعِيرَ فَتَلِفَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ. وَلَوْ اخْتَلَفَ رَجُلاَنِ فِي دَابَّةٍ فَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ أَكْرَيْتهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَرَكِبْتهَا بِكَذَا وَقَالَ الرَّاكِبُ رَكِبْتهَا عَارِيَّةً مِنْك كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاكِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلاَ كِرَاءَ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: بَعْدُ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابَّةِ، وَلَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ، وَلَوْ قَالَ أَعَرْتنِيهَا وَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ غَصَبْتنِيهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَعِيرِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلاَ يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدِعُ إلَّا أَنْ يُخَالِفَ فَإِنْ خَالَفَ فَلاَ يَخْرُجُ مِنْ الضَّمَانِ أَبَدًا إلَّا بِدَفْعِ الْوَدِيعَةِ إلَى رَبِّهَا، وَلَوْ رَدَّهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ لَهَا كَانَ أَمِينًا فَخَرَجَ مِنْ حَدِّ الْأَمَانَةِ فَلَمْ يُجَدِّدْ لَهُ رَبُّ الْمَالِ اسْتِئْمَانًا لاَ يَبْرَأُ حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَيْهِ.
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا شَقَّ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ثَوْبًا شَقًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا يَأْخُذُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ طُولاً وَعَرْضًا، أَوْ كَسَرَ لَهُ مَتَاعًا فَرَضَّهُ أَوْ كَسَرَهُ كَسْرًا صَغِيرًا أَوْ جَنَى لَهُ عَلَى مَمْلُوكٍ فَأَعْمَاهُ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَيُقَوَّمُ الْمَتَاعُ كُلُّهُ وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ غَيْرُ الرَّقِيقِ صَحِيحًا وَمَكْسُورًا وَصَحِيحًا وَمَجْرُوحًا قَدْ بَرَأَ مِنْ جُرْحِهِ ثُمَّ يُعْطَى مَالِكُ الْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ فَضْلُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَكْسُورًا وَمَجْرُوحًا فَيَكُونُ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ نَفْعُهُ أَوْ لَمْ يَنْفَعْهُ، وَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ بِالْجِنَايَةِ شَيْئًا جَنَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَزُولُ مِلْكُ الْمَالِكِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَلاَ يَمْلِكُ رَجُلٌ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ إلَّا فِي الْمِيرَاثِ فَأَمَّا مَنْ جَنَى عَلَيْهِ مِنْ الْعَبِيدِ فَيُقَوَّمُونَ صِحَاحًا قَبْلَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى الْجِنَايَةِ فَيُعْطَوْنَ أَرْشَهَا مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ صَحِيحًا كَمَا يُعْطَى الْحُرُّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِنْ دِيَتِهِ بَالِغًا مِنْ ذَلِكَ مَا بَلَغَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيَمًا كَمَا يَأْخُذُ الْحُرُّ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٌّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} وَقَالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} فَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَالَفَ فِي أَنَّهُ لاَ يَكُونُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَمْلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَمْلِكَهُ إلَّا الْمِيرَاثَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَقَلَ مِلْكَ الْأَحْيَاءِ إذَا مَاتُوا إلَى مَنْ وَرَّثَهُمْ إيَّاهُ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا. أَلاَ تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ أُوصِيَ لَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ أَوْ مَلَكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْلِكَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَنْ لاَ يَخْرُجَ مِلْكُ الْمَالِكِ الْمُسْلِمِ مِنْ يَدَيْهِ إلَّا بِإِخْرَاجِهِ إيَّاهُ هُوَ نَفْسُهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ عِتْقٍ أَوْ دَيْنٍ لَزِمَهُ فَيُبَاعُ فِي مَالِهِ، وَكُلُّ هَذَا فِعْلُهُ لاَ فِعْلُ غَيْرِهِ قَالَ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ أَنْ تَكُونَ أَمْوَالُ النَّاسِ مَمْلُوكَةً إلَّا بِبَيْعٍ عَنْ تَرَاضٍ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ فِيمَا وَصَفْت مَا وَصَفْت فَمِنْ أَيْنَ غَلِطَ أَحَدٌ فِي أَنْ يَجْنِيَ عَلَى مَمْلُوكِي فَيَمْلِكُهُ بِالْجِنَايَةِ وَآخُذُ أَنَا قِيمَتَهُ وَهُوَ قَبْلَ الْجِنَايَةِ لَوْ أَعْطَانِي فِيهِ أَضْعَافَ ثَمَنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَلَوْ وَهَبْته لَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْلِكَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُ بِاَلَّذِي يَجُوزُ وَيَحِلُّ مِنْ الْهِبَةِ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْ عَلَيَّ بِاَلَّذِي يَحِلُّ مِنْ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ أَشَاءَ فَكَيْفَ مَلَكَهُ حِينَ عَصَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ فَأُخْرِجُ مِنْ يَدَيْ مِلْكِي بِمَعْصِيَةِ غَيْرِي لِلَّهِ وَأُلْزِمُ غَيْرِي مَا لاَ يَرْضَى مِلْكَهُ إنْ كَانَ أَصَابَهُ خَطَأً وَكَيْفَ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ تُوجِبُ لِي شَيْئًا وَاخْتَرْتُ حَبْسَ عَبْدِي سَقَطَ الْوَاجِبُ لِي وَكَيْفَ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ تُخَالِفُ حُكْمَ مَا سِوَى مَا وَجَبَ لِي وَلِي حَبْسُ عَبْدِي، وَأَخْذُ أَرْشِهِ وَمَتَاعِي، وَأَخْذُ مَا نَقَصَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُفْسِدٍ لَهُ فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مُفْسِدًا لَهُ فَزَادَ الْجَانِي مَعْصِيَةً لِلَّهِ وَزِيدَ عَلَيَّ فِي مَالِي مَا يَكُونُ مُفْسِدًا لَهُ سَقَطَ حَقِّي حِينَ عَظُمَ وَثَبَتَ حِينَ صَغُرَ وَمَلَكَ حِينَ عَصَى وَكَبُرَتْ مَعْصِيَتُهُ، وَلاَ يَمْلِكُ حِينَ عَصَى فَصَغُرَتْ مَعْصِيَتُهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَدِلَّ أَحَدٌ عَلَى خِلاَفِ هَذَا الْقَوْلِ لِأَصْلِ حُكْمِ اللَّهِ. وَمَا لاَ يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِنْ أَنَّ الْمَالِكِينَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِمْ مَا كَانُوا أَحْيَاءَ حَتَّى يُخْرِجُوا هُمْ الْمِلْكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَحْكِيَ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ خِلاَفُ مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ ثُمَّ شِدَّةِ تَنَاقُضِهِ هُوَ فِي نَفْسِهِ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ جَارِيَةً تَسْوَى مِائَةً فَزَادَتْ فِي يَدَيْهِ بِتَعْلِيمٍ مِنْهُ وَسِنٍّ وَاغْتِذَاءٍ مِنْ مَالِهِ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ نَقَصَتْ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ أَدْرَكَهَا الْمَغْصُوبُ فِي يَدِهِ أَخَذَهَا وَتِسْعَمِائَةٍ مَعَهَا كَمَا يَكُونُ لَوْ غَصَبَهُ إيَّاهَا وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا فَأَدْرَكَهَا وَهِيَ تُسَاوِي مِائَةً أَخَذَهَا وَمَا نَقَصَهَا وَهِيَ تِسْعُمِائَةٍ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهَا الْغَاصِبُ أَوْ وَهَبَهَا أَوْ قَتَلَهَا أَوْ اسْتَهْلَكَهَا فَلَمْ تُدْرَكْ بِعَيْنِهَا كَانَتْ عَلَى الْغَاصِبِ قِيمَتُهَا فِي أَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً مُنْذُ غُصِبَتْ إلَى أَنْ هَلَكَتْ وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنَّ رَبَّ الْجَارِيَةِ يُخَيَّرُ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ الْغَاصِبُ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ سِلْعَتِهِ أَوْ قِيمَتُهَا فِي أَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً قَطُّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: بَعْدُ: لَيْسَ لَهُ إلَّا جَارِيَتُهُ وَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ لَهُ وَبَيْعُ الْغَاصِبِ مَرْدُودٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ غَصَبَهَا بِثَمَنِ مِائَةٍ وَكَانَ لَهَا ضَامِنًا وَهِيَ تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ زَادَتْ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفًا، وَهِيَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ ثُمَّ مَاتَتْ أَوْ نَقَصَتْ ضَمَّنْتُهُ قِيمَتَهَا فِي حَالِ زِيَادَتِهَا؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا، وَلاَ ضَامِنًا، وَلاَ عَاصِيًا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ لَمْ يَزَلْ غَاصِبًا ضَامِنًا عَاصِيًا مِنْ يَوْمِ غَصَبَ إلَى أَنْ فَاتَتْ أَوْ رَدَّهَا نَاقِصَةً فَلَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ الْأُولَى بِأَوْجَبَ مِنْهُ فِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ، وَلاَ فِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ بِأَوْجَبَ مِنْهُ فِي الْحَالِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّهَا أَنْ يَكُونَ رَادًّا لَهَا، وَهُوَ فِي كُلِّهَا ضَامِنٌ عَاصٍ فَلَمَّا كَانَ لِلْمَغْصُوبِ أَنْ يَغْصِبَهَا قِيمَةَ مِائَةٍ فَيُدْرِكَهَا قِيمَةَ أَلْفٍ فَيَأْخُذَهَا وَيُدْرِكَهَا، وَلَهَا عِشْرُونَ وَلَدًا فَيَأْخُذَهَا وَأَوْلاَدَهَا، كَانَ الْحُكْمُ فِي زِيَادَتِهَا فِي بَدَنِهَا وَوَلَدِهَا كَالْحُكْمِ فِي بَدَنِهَا حِينَ غَصَبَهَا يَمْلِكُ مِنْهَا زَائِدَةً بِنَفْسِهَا وَوَلَدِهَا مَا مَلَكَ مِنْهَا نَاقِصَةً حِينَ غَصَبَهَا، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهَا وَوَلَدَهَا أَوْ تَمُوتَ هِيَ وَوَلَدُهَا فِي يَدَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَمَا وَصَفْت يَمْلِكُ وَلَدَهَا كَمَا يَمْلِكُهَا لاَ يَخْتَلِفُ أَحَدٌ عَلِمْتُهُ فِي أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ رَجُلٌ جَارِيَةً فَمَاتَتْ فِي يَدَيْهِ مَوْتًا أَوْ قَتَلَهَا قَتْلاً ضَمِنَهَا فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا كَذَلِكَ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ جَارِيَةً فَبَاعَهَا فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَالْمَغْصُوبُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ جَارِيَتِهِ فِي أَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً مِنْ يَوْمِ غَصَبَهَا إلَى أَنْ مَاتَتْ فَإِنْ ضَمَّنَهُ فَلاَ شَيْءَ لِلْمَغْصُوبِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَّا قِيمَتُهَا إلَّا الثَّمَنُ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ أَوْ يُضَمِّنُ الْمَغْصُوبُ الْمُشْتَرِيَ فَإِنْ ضَمَّنَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَةِ جَارِيَةِ الْمَغْصُوبِ لِأَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً مِنْ يَوْمِ قَبَضَهَا إلَى أَنْ مَاتَتْ فِي يَدِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِفَضْلِ مَا ضَمَّنَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي وَبِفَضْلٍ مِمَّنْ إنْ كَانَ قَبَضَهُ مِنْهُ عَلَى قِيمَتِهَا حَتَّى لاَ يَلْزَمَهُ فِي حَالٍ إلَّا قِيمَتُهَا. قَالَ: وَإِنْ أَرَادَ الْمَغْصُوبُ إجَازَةَ الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا مُلِكَتْ مِلْكًا فَاسِدًا، وَلاَ يَجُوزُ الْمِلْكُ الْفَاسِدُ إلَّا بِتَجْدِيدِ بَيْعٍ وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَتْ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الْمَغْصُوبُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ لِلْمَغْصُوبِ قِيمَتُهَا، وَلَوْ وَلَدَتْ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي أَوْلاَدًا فَمَاتَ بَعْضُهُمْ وَعَاشَ بَعْضُهُمْ خُيِّرَ الْمَغْصُوبُ فِي أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ وَقَدْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ وَمَهْرِهَا وَقِيمَةِ أَوْلاَدِهَا يَوْمَ سَقَطُوا أَحْيَاءً، وَلاَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَنْ سَقَطَ مِنْهُمْ مَيِّتًا، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ مَا ضَمَّنَهُ الْمَغْصُوبُ لاَ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ وَمَهْرِهَا فَقَطْ. وَلَوْ وُجِدَتْ الْجَارِيَةُ حَيَّةً أَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ رَقِيقًا لَهُ وَصَدَاقَهَا، وَلاَ يَأْخُذُ وَلَدَهَا، قَالَ فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ هُوَ أَصَابَهَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ أَوْلاَدًا فَعَاشَ بَعْضُهُمْ وَمَاتَ بَعْضٌ أَخَذَ الْمَغْصُوبُ الْجَارِيَةَ وَقِيمَةَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلاَدِهَا فِي أَكْثَرِ مَا كَانُوا قِيمَةً وَالْأَحْيَاءَ فَاسْتَرَقَّهُمْ، وَلَيْسَ الْغَاصِبُ فِي هَذَا كَالْمُشْتَرِي. الْمُشْتَرِي مَغْرُورٌ، وَالْغَاصِبُ لَمْ يَغُرَّهُ إلَّا نَفْسَهُ وَكَانَ عَلَى الْغَاصِبِ إنْ لَمْ يَدَّعِ الشُّبْهَةَ الْحَدُّ، وَلاَ مَهْرَ عَلَيْهِ. قَالَ الرَّبِيعُ: فَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ أَطَاعَتْ الْغَاصِبَ وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ زَانٍ بِهَا فَلاَ مَهْرَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَهْرُ بَغْيٍ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَهْرِ الْبَغْيِ وَإِنْ كَانَتْ تَظُنُّ هِيَ أَنَّ الْوَطْءَ حَلاَلٌ فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً عَلَى نَفْسِهَا فَلِصَاحِبِهَا الْمَهْرُ وَهُوَ زَانٍ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَرَأَيْت الْمَغْصُوبَ إذَا اخْتَارَ إجَازَةَ الْبَيْعِ لِمَ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: الْبَيْعُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِرِضَا الْمَالِكِ وَالْمُشْتَرِي أَلاَ تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَإِنْ كَانَ رَضِيَ بِالْبَيْعِ فَلِلْمَغْصُوبِ جَارِيَتُهُ كَمَا كَانَتْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بَيْعٌ، وَأَنَّهُ لاَ حُكْمَ لِلْبَيْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا حُكْمَ الشُّبْهَةِ، وَأَنَّ الشُّبْهَةَ لَمْ تُغَيِّرْ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ فَإِذَا كَانَ لِلْمَغْصُوبِ أَخْذُ الْجَارِيَةِ، وَلَمْ يَنْفَعْ الْبَيْعُ الْمُشْتَرِيَ فَهِيَ عَلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ لِلْمَغْصُوبِ وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي لاَ يَكُونُ لَهُ حَبْسُهَا، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَاعَهَا غَاصِبٌ غَيْرُ مُوَكَّلٍ اُسْتُرِقَّ وَلَدُهُ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عَلَى الْمُشْتَرِي إجَازَةُ الْبَيْعِ إلَّا بِأَنْ يُحْدِثَ الْمُشْتَرِي رِضًا بِالْبَيْعِ فَيَكُونُ بَيْعًا مُسْتَأْنَفًا فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ بِأَنْ يَقُولَ إنَّ رَبَّ الْجَارِيَةِ لَوْ كَانَ أَذِنَ بِبَيْعِهَا لَزِمَ الْبَيْعُ فَإِذَا أَذِنَ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلِمَ لاَ يَلْزَمُ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: إذْنُهُ قَبْلَ الْبَيْعِ إذَا بِيعَتْ بِقَطْعِ خِيَارِهِ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ رَدُّ الْجَارِيَةِ وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لِمَنْ اشْتَرَاهَا، وَلَوْ أَوْلَدَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةُ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ لِلْمُشْتَرِي وَحَلاَلٌ لِلْمُشْتَرِي الْإِصَابَةُ وَالْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالْعِتْقُ فَإِذَا بِيعَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ رَدُّ الْبَيْعِ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ رَدُّ الْبَيْعِ إلَّا وَالسِّلْعَةُ لَمْ تُمْلَكْ وَحَرَامٌ عَلَى الْبَائِعِ الْبَيْعُ وَحَرَامٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الْإِصَابَةُ لَوْ عَلِمَ وَيُسْتَرَقُّ وَلَدُهُ فَإِذَا بَاعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَلاَ عِتْقُهُ فَالْحُكْمُ فِي الْإِذْنِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي الْبَيْعِ كَالْبَائِعِ الْمَالِكِ، وَأَنَّ الْإِذْنَ بَعْدَ الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ تَجْدِيدُ بَيْعٍ، وَلاَ يَلْزَمُ الْبَيْعُ الْمُجَدَّدُ إلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ بَاعَ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ أَوْ زَوَّجَ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ لَمْ يَجُزْ أَبَدًا إلَّا بِتَجْدِيدِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ أَلْزَمْتَ الْمُشْتَرِيَ الْمَهْرَ وَوَطْؤُهُ فِي الظَّاهِرِ كَانَ عِنْدَهُ حَلاَلاً وَكَيْفَ رَدَدْتَهُ بِالْمَهْرِ وَهُوَ الْوَاطِئُ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا إلْزَامُنَا إيَّاهُ الْمَهْرَ فَلِمَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْجِمَاعِ إذَا كَانَ بِشُبْهَةٍ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ فِي الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَهْرٌ كَانَ هَذَا جِمَاعًا يُدْرَأُ بِهِ الْحَدُّ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِلشُّبْهَةِ، فَإِنْ قَالَ: فَإِنَّمَا جَامَعَ مَا يَمْلِكُ عِنْدَ نَفْسِهِ قُلْنَا فَتِلْكَ الشُّبْهَةُ الَّتِي دَرَأْنَا بِهَا الْحَدَّ، وَلَمْ نَحْكُمْ لَهُ فِيهَا بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّا نَرُدُّهَا رَقِيقًا وَنَجْعَلُ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ إذَا كَانُوا بِالْجِمَاعِ الَّذِي أَرَاهُ لَهُ مُبَاحًا فَأَلْزَمْنَاهُ قِيمَتَهُمْ كَانَ الْجِمَاعُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ لاَزِمٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ فَإِذَا ضَمَّنَاهُ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّهُمْ بِسَبَبِ الْجِمَاعِ كَانَ الْجِمَاعُ أَوْلَى أَنْ نُضَمِّنَهُ إيَّاهُ وَتَضْمِينُ الْجِمَاعِ هُوَ تَضْمِينُ الصَّدَاقِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ أَلْزَمْته قِيمَةَ الْأَوْلاَدِ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكْهُمْ السَّيِّدُ إلَّا مَوْتَى؟ قِيلَ لَهُ لَمَّا كَانَ السَّيِّدُ يَمْلِكُ الْجَارِيَةَ، وَكَانَ مَا وَلَدَتْ مَمْلُوكًا يَمْلِكُهَا إذَا وُطِئَتْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ فَكَانَ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُمْ حِينَ وُلِدُوا فَلَمْ يَرُدَّهُمْ حَتَّى مَاتُوا ضَمِنَ قِيمَتَهُمْ كَمَا يَضْمَنُ قِيمَةَ أُمِّهِمْ لَوْ مَاتَتْ، وَلَمَّا كَانَ الْمُشْتَرِي وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ كَانَ سُلْطَانُ الْمَغْصُوبِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَقُومُ مَقَامَهُمْ حِينَ وُلِدُوا فَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُ قِيمَتُهُمْ فَسَوَاءٌ مَاتُوا أَوْ عَاشُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ عَاشُوا لَمْ يُسْتَرَقُّوا. قَالَ: وَإِذَا اغْتَصَبَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ وَطِئَهَا بَعْدَ الْغَصْبِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجَهَالَةِ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجَارِيَةُ وَالْعُقْرُ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ، وَقَالَ: كُنْت أَرَانِي لَهَا ضَامِنًا، وَأَرَى هَذَا مَحَلَّ عُذْرٍ لَمْ يُحَدَّ وَأُخِذَتْ مِنْهُ الْجَارِيَةُ وَالْعُقْرُ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ فَبَاعَهَا فَسَوَاءٌ بَاعَهَا فِي الْمَوْسِمِ أَوْ عَلَى مِنْبَرٍ أَوْ تَحْتَ سِرْدَابٍ حَقُّ الْمَغْصُوبِ فِيهَا فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ سَوَاءٌ فَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا أَجْنَبِيٌّ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي أَوْ الْغَاصِبِ جِنَايَةً تَأْتِي عَلَى نَفْسِهَا أَوْ بَعْضِهَا فَأَخَذَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَرْشَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا الْمَغْصُوبُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ مِنْ يَدَيْ مَنْ أَخَذَهَا إذَا كَانَتْ نَفْسًا أَوْ تَضْمِينِهِ قِيمَتَهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَإِنْ كَانَتْ جُرْحًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ أَرْشِ الْجُرْحِ مِنْ الْجَانِي وَالْجَارِيَةِ مِنْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَوْ تَضْمِينِ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ مَا نَقَصَهَا الْجُرْحُ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَتَلَهَا أَوْ جَرَحَهَا فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ قَتَلَهَا فَلِمَالِكِهَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَتَلَهَا أَوْ قِيمَتُهَا فِي أَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لَهَا ضَامِنًا. قَالَ وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ ثَوْبًا فَبَاعَهُ الْغَاصِبُ مِنْ رَجُلٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ الْمَغْصُوبُ أَخَذَهُ، وَكَانَ لَهُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ يَوْمَ اغْتَصَبَهُ، وَبَيْنَ قِيمَتِهِ الَّتِي نَقَصَهُ إيَّاهَا اللُّبْسُ كَانَ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ عَشْرَةً فَنَقَصَهُ اللُّبْسُ خَمْسَةً فَيَأْخُذُ ثَوْبَهُ وَخَمْسَةً وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي تَضْمِينِ اللَّابِسِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْغَاصِبِ فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ فَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَى اللَّابِسِ. وَهَكَذَا إنْ غَصَبَ دَابَّةً فَرُكِبَتْ حَتَّى أُنْضِيَتْ كَانَتْ لَهُ دَابَّتُهُ وَمَا نَقَصَتْ عَنْ حَالِهَا حِينَ غَصَبَهَا، وَلَسْت أَنْظُرُ فِي الْقِيمَةِ إلَى تَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى تَغَيُّرِ بَدَنِ الْمَغْصُوبِ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً غَصَبَ رَجُلاً عَبْدًا صَحِيحًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَمَرِضَ فَاسْتَحَقَّهُ وَقِيمَتُهُ مَرِيضًا خَمْسُونَ أَخَذَ عَبْدَهُ وَخَمْسِينَ، وَلَوْ كَانَ الرَّقِيقُ يَوْمَ أَخَذَهُ أَغْلَى مِنْهُمْ يَوْمَ غَصَبَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَهُ صَبِيًّا مَوْلُودًا قِيمَتُهُ دِينَارٌ يَوْمَ غَصَبَهُ فَشَبَّ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَشُلَّ أَوْ اعْوَرَّ وَغَلاَ الرَّقِيقُ أَوْ لَمْ يَغْلُ فَكَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ اسْتَحَقَّهُ عِشْرِينَ دِينَارًا أَخَذَهُ وَقَوَّمْنَاهُ صَحِيحًا، وَأَشَلَّ أَوْ أَعْوَرَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا، وَأَشَلَّ أَوْ أَعْوَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ صَحِيحًا فَمَا حَدَثَ بِهِ مِنْ عَيْبٍ يُنْقِصُهُ فِي بَدَنِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ. وَهَكَذَا لَوْ غَصَبَهُ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصَبَهُ عَشَرَةٌ فَلَبِسَهُ حَتَّى أَخْلَقَ وَغَلَتْ الثِّيَابُ فَصَارَ يُسَاوِي عِشْرِينَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَيُقَوَّمُ الثَّوْبُ جَدِيدًا وَخَلَقًا ثُمَّ أُعْطِيَ فَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ. قَالَ: وَلَوْ غَصَبَهُ جَدِيدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ ثُمَّ رَدَّهُ جَدِيدًا قِيمَتُهُ خَمْسَةٌ لِرُخْصِ الثِّيَابِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ رَدَّهُ كَمَا أَخَذَهُ فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ بِأَنْ يَقُولَ قَدْ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ اغْتَصَبَهُ فَالْقِيمَةُ لاَ تَكُونُ مَضْمُونَةً أَبَدًا إلَّا لِفَائِتٍ وَالثَّوْبُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا بِحَالِهِ غَيْرَ فَائِتٍ وَإِنَّمَا تَصِيرُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ بِالْفَوْتِ، وَلَوْ كَانَ حِينَ غَصَبَ كَانَ ضَامِنًا لِقِيمَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ أَخْذُ ثَوْبِهِ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، وَلاَ عَلَيْهِ أَخْذُ ثَوْبِهِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ سَوَاءً أَوْ كَانَ أَقَلَّ قِيمَةً. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الْجَارِيَةَ فَأَصَابَهَا عَيْبٌ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ بِجِنَايَةِ أَحَدٍ فَسَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ أَصَابَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَوْ الْمُشْتَرِي يَسْلُكُ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي مِنْ السَّمَاءِ مَا سَلَكَ بِهَا فِي الْعُيُوبِ الَّتِي يَجْنِي عَلَيْهَا الْآدَمِيُّونَ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ جَارِيَةً فَبَاعَهَا مِنْ آخَرَ فَحَدَثَ بِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ ثُمَّ جَاءَ الْمَغْصُوبُ فَاسْتَحَقَّهَا أَخَذَهَا وَكَانَ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ مَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ مِنْ الْغَاصِبِ فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ وَلِرَبِّ الْجَارِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ الْحَادِثُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ وَبِثَمَنِهَا الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ مَا اشْتَرَى وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ بِجِنَايَةِ آدَمِيٍّ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ دَابَّةً فَاسْتَغَلَّهَا أَوْ لَمْ يَسْتَغِلَّهَا وَلِمِثْلِهَا غَلَّةٌ أَوْ دَارًا فَسَكَنَهَا أَوْ أَكْرَاهَا أَوْ لَمْ يَسْكُنْهَا، وَلَمْ يُكْرِهَا وَلِمِثْلِهَا كِرَاءٌ أَوْ شَيْئًا مَا كَانَ مِمَّا لَهُ غَلَّةٌ اسْتَغَلَّهُ أَوْ لَمْ يَسْتَغِلَّهُ انْتَفَعَ بِهِ أَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهِ مِنْ حِينِ أَخَذَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ أَكْرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ كِرَاءِ مِثْلِهِ فَالْمَغْصُوبُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّهُ كِرَاءُ مَالِهِ أَوْ يَأْخُذَ كِرَاءَ مِثْلِهِ، وَلاَ يَكُونُ لِأَحَدٍ غَلَّةٌ بِضَمَانٍ إلَّا لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَضَى بِهَا لِلْمَالِكِ الَّذِي كَانَ أَخَذَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ وَاَلَّذِي كَانَ إنْ مَاتَ الْمُغِلُّ مَاتَ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَحْبِسَ الْمُغِلَّ حَبَسَهُ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ إنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ رَدَّهُ، فَأَمَّا الْغَاصِبُ فَهُوَ ضِدُّ الْمُشْتَرِي. الْغَاصِبُ أَخَذَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ حَبْسُ مَا فِي يَدَيْهِ، وَلَوْ تَلِفَ الْمُغَلُّ كَانَ الْغَاصِبُ لَهُ ضَامِنًا حَتَّى يُؤَدِّيَ قِيمَتَهُ إلَى الَّذِي غَصَبَهُ إيَّاهُ، وَلاَ يُطْرَحُ الضَّمَانُ لَهُ لَوْ تَلِفَ قِيمَةُ الْغَلَّةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يُتْلِفَ. وَلاَ يَجُوزُ إلَّا هَذَا الْقَوْلُ أَوْ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ زَعَمَ أَنَّهُ إذَا سَكَنَ أَوْ اسْتَغَلَّ أَوْ حَبَسَ فَالْغَلَّةُ وَالسَّكَنُ لَهُ بِالضَّمَانِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْت فَأَمَّا أَنْ يَزْعُمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ إنْ أَخَذَ غَلَّةً أَوْ سَكَنَ رَدَّ الْغَلَّةَ وَقِيمَةَ السُّكْنَى، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فَهَذَا خَارِجٌ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ لاَ هُوَ جَعَلَ ذَلِكَ لَهُ بِالضَّمَانِ، وَلاَ هُوَ جَعَلَ ذَلِكَ لِلْمَالِكِ إذَا كَانَ الْمَالِكُ مَغْصُوبًا. قَالَ الرَّبِيعُ: مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا كِرَاءَ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ كِرَاءَهُ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا عَلَى الَّذِي سَكَنَ إذَا اسْتَحَقَّ الدَّارَ رَبُّهَا كِرَاءُ مِثْلِهَا، وَلَيْسَ لَهُ خِيَارٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْكِرَاءَ الَّذِي أَكْرَاهَا بِهِ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ مَفْسُوخٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ اغْتَصَبَهُ أَرْضًا فَغَرَسَهَا نَخْلاً أَوْ أُصُولاً أَوْ بَنَى فِيهَا بِنَاءً أَوْ شَقَّ فِيهَا أَنْهَارًا كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِ الْأَرْضِ بِالْحَالِ الَّذِي اغْتَصَبَهُ إيَّاهَا وَكَانَ عَلَى الْبَانِي وَالْغَارِسِ أَنْ يَقْلَعَ بِنَاءَهُ وَغَرْسَهُ فَإِذَا قَلَعَهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَ الْقَلْعُ الْأَرْضَ حَتَّى يَرُدَّ إلَيْهِ الْأَرْضَ بِحَالِهَا حِينَ أَخَذَهَا وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ بِمَا نَقَصَهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي النَّهْرِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ فِيهَا لاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ فِيهَا عِرْقًا ظَالِمًا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، وَلاَ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَمْلِكَ مَالَ الْغَاصِبِ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ إيَّاهُ كَانَ مَا يَقْلَعُ الْغَاصِبُ مِنْهُ يَنْفَعُهُ أَوْ لاَ يَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مَنْعُ قَلِيلِ مَالِهِ كَمَا لَهُ مَنْعُ كَثِيرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا كَانَ لَهُ دَفْنُهَا وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ الدَّفْنُ وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَهُ دَارًا فَزَوَّقَهَا كَانَ لَهُ قَلْعُ التَّزْوِيقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَنْفَعُهُ قَلْعُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ نَقَلَ عَنْهَا تُرَابًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا نَقَلَ عَنْهَا حَتَّى يُوَفِّيَهُ إيَّاهَا بِالْحَالِ الَّتِي غَصَبَهُ إيَّاهَا عَلَيْهَا لاَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَغْصُوبُ كَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَغْصُوبِ أَنْ يُبْطِلَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ. فَإِنْ تَأَوَّلَ رَجُلٌ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» فَهَذَا كَلاَمٌ مُجْمَلٌ لاَ يَحْتَمِلُ لِرَجُلٍ شَيْئًا إلَّا احْتَمَلَ عَلَيْهِ خِلاَفَهُ، وَوَجْهُهُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ: أَنْ لاَ ضَرَرَ فِي أَنْ لاَ يَحْمِلَ عَلَى رَجُلٍ فِي مَالِهِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلاَ ضِرَارَ فِي أَنْ يَمْنَعَ رَجُلٌ مِنْ مَالِهِ ضَرَرًا وَلِكُلٍّ مَا لَهُ وَعَلَيْهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بَلْ أَحْدَثَ لِلنَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ حُكْمًا عَلَى النَّظَرِ لَهُمْ، وَأَمْنَعَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى النَّظَرِ لَهُمْ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَرَأَيْت رَجُلاً لَهُ بَيْتٌ يَكُونُ ثَلاَثَةَ أَذْرُعٍ فِي ثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ فِي دَارِ رَجُلٍ لَهُ مَقْدِرَةٌ أَعْطَاهُ بِهِ مَا شَاءَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ وَقِيمَةُ الْبَيْتِ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ، وَأَعْطَاهُ مَكَانَهُ دَارًا مَعَ الْمَالِ أَوْ رَقِيقًا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى النَّظَرِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذَا الْكَثِيرَ بِهَذَا الْقَلِيلِ؟ أَوَرَأَيْت رَجُلاً لَهُ قِطْعَةُ أَرْضٍ بَيْنَ أَرَاضِي رَجُلٍ لاَ تُسَاوِي الْقِطْعَةَ دِرْهَمًا فَسَأَلَهُ الرَّجُلُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهَا مَمَرًّا بِمَا شَاءَ مِنْ الدُّنْيَا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَا لاَ يَنْفَعُهُ بِمَا فِيهِ غِنَاهُ؟ أَوْرَأَيْت رَجُلاً صِنَاعَتُهُ الْخِيَاطَةُ فَحَلَفَ رَجُلٌ أَنْ لاَ يَسْتَخِيطَ غَيْرَهُ وَمَنَعَهُ هُوَ أَنْ يَخِيطَ لَهُ فَأَعْطَاهُ عَلَى مَا الْإِجَارَةُ فِيهِ دِرْهَمٌ مِائَةَ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ أَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَخِيطَ لَهُ؟ أَوْرَأَيْت رَجُلاً عِنْدَهُ أَمَةٌ عَمْيَاءُ لاَ تَنْفَعُهُ أَعْطَاهُ بِهَا ابْنٌ لَهَا بَيْتَ مَالٍ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا؟ فَإِنْ قَالَ لاَ يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلاَءِ عَلَى النَّظَرِ لَهُ. قُلْنَا: وَكُلُّ هَؤُلاَءِ يَقُولُ إنَّمَا فَعَلْت هَذَا إضْرَارًا بِنَفْسِي وَإِضْرَارًا لِلطَّالِبِ إلَيَّ حَتَّى أَكُونَ جَمَعْت الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ قَالَ، وَإِنْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ وَضَارَّ غَيْرَهُ فَإِنَّمَا فَعَلَ فِي مَالِهِ مَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ. قِيلَ: وَكَذَلِكَ حَافِرُ الْبِئْرِ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ وَالْمُزَوِّقُ جِدَارَ الرَّجُلِ وَنَاقِلُ التُّرَابِ إلَى أَرْضِ الرَّجُلِ إنَّمَا فَعَلَ مَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ وَمَنَعَ مَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي رَدِّ التُّرَابِ وَدَفْنِ الْبِئْرِ مَا يَشْغَلُ الْأَرْضَ عَنْ رَبِّهَا حَتَّى يَمْنَعَهُ مَنْفَعَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، قِيلَ لِلَّذِي يُرِيدُ رَدَّ التُّرَابِ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ تَرُدَّهُ وَيَكُونَ عَلَيْك كِرَاءُ الْأَرْضِ بِقَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي حَبَسْتهَا عَنْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ تَدَعَهُ، وَقِيلَ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي الْبِئْرِ لَك الْخِيَارُ فِي أَنْ تَأْخُذَ حَافِرَ الْبِئْرِ بِدَفْنِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلاَ شَيْءَ لَك عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوْضِعِهَا مَنْفَعَةٌ حَتَّى تَكُونَ مَدْفُونَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَوْضِعِهَا لَوْ كَانَتْ مُسْتَوِيَةً مَنْفَعَةٌ فِيمَا بُيِّنَ أَنَّ حُكْمَنَا لَك بِهَا إلَى أَنْ يَدْفِنَهَا فَيَكُونَ لَك أَجْرُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ عَنْك شَيْئًا مِنْ أَرْضِك. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ نَقَلَ مِنْ أَرْضِ الْمَغْصُوبِ تُرَابًا كَانَ مَنْفَعَةً لِلْأَرْضِ لاَ ضَرَرَ عَلَيْهَا أُخِذَ بِرَدِّهِ فَإِنْ كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ مِثْلِهِ بِحَالٍ أَبَدًا قُوِّمَتْ الْأَرْضُ وَعَلَيْهَا ذَلِكَ التُّرَابُ، وَقُوِّمَتْ بِحَالِهَا حِينَ أَخَذَهَا ثُمَّ ضَمِنَ الْغَاصِبُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِحَالٍ وَإِنْ عَظُمَتْ فِيهِ الْمُؤْنَةُ كُلِّفَهُ. قَالَ: وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَ دَابَّةِ رَجُلٍ أَوْ رِجْلَهَا أَوْ جَرَحَهَا جُرْحًا مَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، قُوِّمَتْ الدَّابَّةُ مَجْرُوحَةً أَوْ مَقْطُوعَةً، ثُمَّ ضَمِنَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ مَالَ أَحَدٍ بِجِنَايَةٍ أَبَدًا. قَالَ: وَإِذَا أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ رَجُلاً غَصَبَهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَشَاهِدًا أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ شَاهِدًا أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهَا وَشَاهِدًا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِغَصْبِهِ إيَّاهَا أَوْ شَاهِدًا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِغَصْبِهَا وَآخَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِغَصْبِهَا فَكُلُّ هَذَا مُخْتَلِفٌ؛ لِأَنَّ غَصْبَ يَوْمِ الْخَمِيسِ غَيْرُ غَصْبِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَفِعْلُ الْغَصْبِ غَيْرُ الْإِقْرَارِ بِالْغَصْبِ وَالْإِقْرَارُ يَوْمَ الْخَمِيسِ غَيْرُ الْإِقْرَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيُقَالُ لَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ احْلِفْ مَعَ أَيِّ شَاهِدَيْك شِئْت وَاسْتَحِقَّ الْجَارِيَةَ فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّهَا. قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَرْضًا كَانَتْ بِيَدِ رَجُلٍ فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهَا أَرْضُهُ فَأَقَامَ شَاهِدًا فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهَا أَرْضُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مَالِكٍ أَوْ وَرِثَهَا مِنْ مَالِكٍ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ مَالِكٌ أَوْ كَانَتْ مَوَاتًا فَأَحْيَاهَا فَوَصَفَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ الَّذِي يَصِحُّ، وَأَقَامَ شَاهِدًا غَيْرَهُ أَنَّهَا حِيزَةٌ لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهَا حِيزَةٌ شَهَادَةً، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا عَدَدٌ عُدُولٌ إذَا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ حَيْزَهُ يَحْتَمِلُ مَا يَجُوزُ بِالْمِلْكِ وَمَا يَجُوزُ بِالْعَارِيَّةِ وَالْكِرَاءِ وَيَحْتَمِلُ مَا يَلِي أَرْضَهُ وَمَا يَلِي مَسْكَنَهُ وَيَحْتَمِلُ بِعَطِيَّةِ أَهْلِهَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي أَوْلَى بِالظَّاهِرِ مِنْ الْآخَرِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ شَهَادَةً أَبَدًا حَتَّى يَزِيدُوا فِيهَا مَا يُبَيِّنُ أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِالْمِلْكِ وَيَسْتَحِقَّ. قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ لَهُ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْمِلْكِ وَشَهِدَ لَهُ الشَّاهِدُ الثَّانِي بِأَنَّهُ كَانَ يَحُوزُهَا وُقِفَ فَإِنْ قَالَ بِحَوْزِهَا بِمِلْكٍ فَقَدْ اجْتَمَعَا عَلَى الشَّهَادَةِ، وَإِنْ قَالَ يَحُوزُهَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ وَيَسْتَحِقُّ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ فَبَاعَهَا مِنْ آخَرَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ فِي يَدَيْهِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّ الْجَارِيَةِ وَالْجَارِيَةُ قَائِمَةٌ أَخَذَ الْجَارِيَةَ وَشَيْئًا إنْ كَانَ نَقَصَهَا وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَ مِنْهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ دَابَّةً أَوْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا، فَتَعَدَّى فَضَاعَتْ فِي تَعَدِّيهِ فَضَمَّنَهُ رَبُّ الدَّابَّةِ الْمَغْصُوبُ أَوْ الْمُكْرَى قِيمَةَ دَابَّتِهِ ثُمَّ ظَفِرَ بِالدَّابَّةِ بَعْدُ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ لاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أَخَذَ الْبَدَلَ مِنْهَا وَالْبَدَلُ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيْعِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا ظَهَرَ عَلَى الدَّابَّةِ رَدَدْت عَلَيْهِ الدَّابَّةَ وَرَدَّ مَا قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا إنْ كَانَتْ دَابَّتُهُ بِحَالِهَا يَوْمَ غَصَبَهَا أَوْ تَعَدَّى بِهَا أَوْ خَيْرِهَا حَالاً فَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً قَبَضَهَا وَمَا نَقَصَتْ وَرَدَّ الْفَضْلَ عَنْ نُقْصَانِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَلاَ يُشْبِهُ هَذَا الْبُيُوعَ إنَّمَا الْبُيُوعُ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ فَسَلَّمَ لَهُ رَبُّ السِّلْعَةِ سِلْعَتَهُ، وَأَخْرَجَهَا مِنْ يَدَيْهِ إلَيْهِ رَاضِيًا بِإِخْرَاجِهَا، وَالْمُشْتَرِي غَيْرُ عَاصٍ فِي أَخْذِهَا وَالْمُتَعَدِّي عَاصٍ فِي التَّعَدِّي وَالْغَصْبِ، وَرَبُّ الدَّابَّةِ غَيْرُ بَائِعٍ لَهُ دَابَّتَهُ. أَلاَ تَرَى أَنَّ الدَّابَّةَ لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ قِيمَتِهَا فَلَمَّا كَانَ إنَّمَا أَخَذَ الْقِيمَةَ عَلَى أَنَّ دَابَّتَهُ فَائِتَةٌ ثُمَّ وَجَدَ الدَّابَّةَ كَانَ الْفَوْتُ قَدْ بَطَلَ وَكَانَتْ الدَّابَّةُ مَوْجُودَةً، وَلَوْ كَانَ هَذَا بَيْعًا مَا جَازَ أَنْ تُبَاعَ دَابَّتُهُ غَائِبَةً، وَلَوْ جَازَ فَهَلَكَتْ الدَّابَّةُ كَانَ لِلْغَاصِبِ وَالْمُتَعَدِّي أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ، وَلَوْ وُجِدَتْ مَعِيبَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ: فَهِيَ لاَ تُشْبِهُ الْبُيُوعَ، وَلَكِنَّهَا تُشْبِهُ الْجِنَايَاتِ. قِيلَ لَهُ: أَفَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلاً جَنَى عَلَى عَيْنِ رَجُلٍ فَابْيَضَّتْ فَحُكِمَ لَهُ بِأَرْشِهَا ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ فَقَائِلُ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَرُدُّهُ بِالْأَرْشِ وَيَرُدُّهُ، وَلَوْ حُكِمَ لَهُ فِي سِنٍّ قُلِعَتْ مِنْ صَبِيٍّ بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ ثُمَّ نَبَتَتْ رَجَعَ بِالْأَرْشِ الَّذِي حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ شَبَّهَهَا بِالْجِنَايَاتِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ فِيهِ اخْتِلاَفُ الْقَوْلِ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهَا لاَ تُشْبِهُ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَاتِ مَا فَاتَ فَلَمْ يَعُدْ فَهَذِهِ قَدْ عَادَتْ فَصَارَتْ غَيْرَ فَائِتَةٍ. وَلَوْ كَانَ هَذَا بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَاغْتَصَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ دَابَّةً أَوْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا فَتَعَدَّى عَلَيْهَا فَضَاعَتْ ثُمَّ اصْطَلَحَا مِنْ ثَمَنِهَا عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ عَلَى مَا لَزِمَ الْغَاصِبَ مِمَّا اسْتَهْلَكَ فَلَمَّا كَانَ مَالُهُ غَيْرَ مُسْتَهْلَكٍ كَانَ الصُّلْحُ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مَا عَلِمَا أَوْ عَلِمَ رَبُّ الدَّابَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ قَالَ لَهُ أَنَا اشْتَرِيهَا مِنْك وَهِيَ فِي يَدَيْ قَدْ عَرَفْتهَا فَبَاعَهُ إيَّاهَا بِشَيْءٍ قَدْ عَرَفَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فَإِنْ جَاءَ الْغَاصِبُ بِالدَّابَّةِ مَعِيبَةً عَيْبًا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَآهُ، وَأَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ لَهُ بِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمَغْصُوبِ الْبَائِعِ، أَوْ يَكُونُ الْعَيْبُ مِمَّا لاَ يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَيَكُونُ لَهُ رَدُّ الدَّابَّةِ، وَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مَا نَقَصَهَا عَلَى الْغَاصِبِ فَإِنْ قَالَ الْمُتَعَدِّي بِالْغَصْبِ أَوْ فِي الْكِرَاءِ: إنَّ الدَّابَّةَ ضَاعَتْ فَأَنَا أَدْفَعُ إلَيْك قِيمَتَهَا فَقِيلَ ذَلِكَ مِنْهُ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ. فَلاَ يَجُوزُ فِي هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ هَذَا بَيْعٌ مُسْتَأْنَفٌ فَلاَ تُجِيزُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَوْتَى أَوْ يُقَالُ هَذَا بَدَلٌ إنْ كَانَتْ ضَاعَتْ أَوْ تَلِفَتْ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ فَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ لَزِمَهُ إذَا عَلِمَ بِأَنَّ الدَّابَّةَ لَمْ تَضِعْ أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَخْذُهَا وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ مَا كَانَ يَلْزَمُ لَهُ لَوْ كَانَتْ ضَائِعَةً فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ ضَائِعَةً كَانَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ أَوْ يَقُولُ قَائِلٌ قَوْلاً ثَالِثًا فَيَقُولُ: لَمَّا رَضِيَ بِقَوْلِهِ وَتَرَكَ اسْتِحْلاَفَهُ كَمَا كَانَ الْحَاكِمُ مُسْتَحْلِفَهُ لَوْ ضَاعَتْ فَلاَ يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى حَالٍ فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ إنْ كَانَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَإِنَّمَا كَذَبَ لِيَأْخُذَهَا فَلِلْمُشْتَرِي أَخْذُهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ الْغَاصِبِ ثُمَّ وَجَدَهَا فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُهَا فَهَذَا لاَ يَجُوزُ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي انْعَقَدَ إنْ كَانَ جَائِزًا بِكُلِّ حَالٍ جَازَ، وَلَمْ يُنْتَقَضْ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا مَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً مُنْتَقَضًا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْحَالَيْنِ فَمَا بَالُهَا تُرَدُّ فِي إحْدَاهُمَا، وَلاَ تُرَدُّ فِي الْأُخْرَى؟ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَهُوَ مَرْدُودٌ بِكُلِّ حَالٍ وَهَذَا الْقَوْلُ لاَ جَائِزَ، وَلاَ فَاسِدَ، وَلاَ جَائِزَ عَلَى مَعْنًى فَاسِدٍ فِي آخَرَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ أَوْ الْعَبْدَ وَقَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْبَائِعُ لِرَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ عَبْدُهُ غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ أَمَتُهُ غَصَبَهَا مِنْهُ قُلْنَا لِلْمُقَرِّ لَهُ بِالْغَصْبِ إنْ أَقَمْتَ بَيِّنَةً عَلَى الْغَصْبِ دَفَعْنَا إلَيْك أَيَّهمَا أَقَمْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ وَنَقَضْنَا الْبَيْعَ، وَإِنْ لَمْ تُقِمْ بَيِّنَةً فَإِقْرَارُ الْبَائِعِ لَك إثْبَاتُ حَقٍّ لَك عَلَى نَفْسِهِ، وَإِبْطَالُ حَقٍّ لِغَيْرِك قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ قَبْلَ إقْرَارِهِ لَك، وَلاَ يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ حَقِّ غَيْرِهِ وَيُصَدَّقُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَضْمَنُ لَك قِيمَةَ أَيِّهِمَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ غَصَبَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ أَوْ يَكُونَ لَهُ خِيَارٌ فَيَرُدَّهُ بِخِيَارِهِ فِي الْعَيْبِ وَخِيَارِهِ فِي الشَّرْطِ فَإِذَا رَدَّهُ كَانَ عَلَى الْمُقِرِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْك، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ غَاصِبٌ رَدَّهُ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ إنْ شَاءَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا اغْتَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا فَبَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ مَلَّكَ الْمُغْتَصِبُ الْبَائِعَ ذَلِكَ الْعَبْدَ بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بِشِرَاءٍ صَحِيحٍ أَوْ وَجْهِ مِلْكٍ مَا كَانَ ثُمَّ أَرَادَ نَقْضَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لاَ يَمْلِكُ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ فَالْبَيْعُ مُنْتَقَضٌ أَرَادَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لاَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّمَا ادَّعَيْت مَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك مَا أَمْلِكُ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ اغْتَصَبَهُ ثُمَّ مَلَكَهُ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ الْبَيْعُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تَشْهَدُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِلْبَائِعِ لاَ عَلَيْهِ فَتَشْهَدُ لَهُ بِمَا يَرْجِعُ بِهِ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِهِ فَيَكُونُ مَشْهُودًا لَهُ لاَ عَلَيْهِ. وَقَدْ أُكَذِّبُهُمْ فَلاَ يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ فِي الْحُكْمِ لِإِكْذَابِهِ بَيِّنَتَهُ، وَيَنْبَغِي فِي الْوَرَعِ أَنْ يُجَدِّدَا بَيْعًا أَوْ يَرُدَّهُ الْمُشْتَرِي. قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ شَهِدَتْ فَكَانَ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِنْ أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهَا عَلَيْهِ. قَالَ: وَإِنْ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِغَصْبٍ وَكَانَ الْمَغْصُوبُ أَوْ وَرَثَتُهُ قِيَامًا رُدَّ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ فَاسِدًا وَيُرَدُّ إلَى الْمَغْصُوبِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَصَدَّقَ الْغَاصِبُ وَالْمُشْتَرِي الْمُدَّعِيَ أَنَّهُ غَصَبَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْعِتْقِ وَمَضَى الْعِتْقُ وَرَدَدْنَا الْمَغْصُوبَ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ فِي أَكْثَرِ مَا كَانَ قِيمَةً وَإِنْ أَحَبَّ رَدَدْنَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمُعْتِقِ فَإِنْ رَدَدْنَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمُعْتِقِ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ الْبَائِعِ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ مَا لاَ يَمْلِكُ وَالْوَلاَءُ مَوْقُوفٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُعْتِقَ يُقِرُّ أَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لاَ يَمْلِكُ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ فَبَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ ثُمَّ جَاءَ الْمَغْصُوبُ فَأَرَادَ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ جَائِزًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ كَانَ مُحَرَّمًا فَلاَ يَكُونُ لِأَحَدٍ إجَازَةُ الْمُحَرَّمِ، وَيَكُونُ لَهُ تَجْدِيدُ بَيْعٍ حَلاَلٍ هُوَ غَيْرُ الْحَرَامِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ امْرَأً بَاعَ جَارِيَةً لَهُ وَشَرَطَ نَفْسُهُ فِيهَا الْخِيَارَ أَمَا كَانَ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ إمْضَاءَهُ فَيُلْزِمُ الْمُشْتَرِيَ بِأَنَّ لَهُ الْخِيَارَ دُونَ الْبَائِعِ؟ قِيلَ بَلَى فَإِنْ قَالَ فَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟ قِيلَ: هَذِهِ بَاعَهَا مَالِكُهَا بَيْعًا حَلاَلاً وَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى شَرْطِهِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَاصٍ لِلَّهِ، وَلاَ الْبَائِعُ وَالْغَاصِبُ وَالْمُشْتَرِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ عَاصِيَانِ لِلَّهِ، وَهَذَا بَائِعٌ مَا لَيْسَ لَهُ وَهَذَا مُشْتَرٍ مَا لاَ يَحِلُّ لَهُ فَلاَ يُقَاسَ الْحَرَامُ عَلَى الْحَلاَلِ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ أَلاَ تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ رَبِّ الْجَارِيَةِ جَارِيَتَهُ لَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ كَمَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ إذَا شَرَطَهُ؟ أَفَيَكُونُ لِمُشْتَرِي الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهَا أَوْ رَدِّهَا؟ فَإِنْ قَالَ لاَ قِيلَ: وَلَوْ شَرَطَ الْغَاصِبُ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ؟ فَإِنْ قَالَ لاَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي شُرِطَ لَهُ الْخِيَارُ لاَ يَمْلِكُ الْجَارِيَةَ قِيلَ: وَلَكِنَّ الَّذِي يَمْلِكُهَا لَوْ شَرَطَ لَهُ الْخِيَارَ جَازَ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ لَهُ أَفَلاَ تَرَى أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَكَيْفَ يُقَاسُ أَحَدُ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْآخَرِ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ فَأَقَرَّ الْغَاصِبُ بِأَنَّهُ غَصَبَهُ جَارِيَةً وَقَالَ: ثَمَنُهَا عَشَرَةٌ. وَقَالَ الْمَغْصُوبُ: ثَمَنُهَا مِائَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلاَ تَقُومُ عَلَى الصِّفَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ التَّقْوِيمَ عَلَى الصِّفَةِ لاَ يُضْبَطُ قَدْ تَكُونُ الْجَارِيَتَانِ بِصِفَةٍ، وَلَوْنٍ وَسِنٍّ وَبَيْنَهُمَا كَثِيرٌ فِي الْقِيمَةِ بِشَيْءٍ يَكُونُ فِي الرُّوحِ وَالْعَقْلِ وَاللِّسَانِ فَلاَ يُضْبَطُ إلَّا بِالْمُعَايَنَةِ فَيُقَالُ لِرَبِّ الْجَارِيَةِ: إنْ رَضِيتَ وَإِلَّا فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أُخِذَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا أُحَلِّفُ لَهُ الْغَاصِبَ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّهُ غَصَبَهُ جَارِيَةً فَهَلَكَتْ الْجَارِيَةُ فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يُثْبِتْ الشَّاهِدَانِ عَلَى قِيمَتِهَا كَانَ الْقَوْلُ فِي قِيمَتِهَا قَوْلَ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ وَصَفَهَا الشَّاهِدَانِ بِصِفَةٍ أَنَّهَا كَانَتْ صَحِيحَةً عُلِمَ أَنَّ قِيمَتَهَا أَكْثَرُ مِمَّا قَالَ الْغَاصِبُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ دَاءٌ أَوْ غَائِلَةٌ تَخْفَى يَصِيرُ بِهَا ثَمَنُهَا إلَى مَا قَالَ الْغَاصِبُ فَإِذَا أَمْكَنَ مَا قَالَ الْغَاصِبُ بِحَالٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَهَكَذَا قَوْلُ مَنْ يَغْرَمُ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا بِأَيِّ وَجْهٍ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهُ خِلاَفُ مَا أَقَرَّ بِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. أَلاَ تَرَى أَنَّا نَجْعَلُ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ الْقَوْلَ قَوْلَهُ؟ فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ غَصَبَنِي أَوْ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَمْ نُلْزِمْهُ شَيْئًا لَمْ يُقِرَّ بِهِ فَإِذَا أَعْطَيْنَاهُ هَذَا فِي الْأَكْثَرِ كَانَ الْأَقَلُّ أَوْلَى أَنْ نُعْطِيَهُ إيَّاهُ فِيهِ، وَلاَ تَجُوزُ الْقِيمَةُ عَلَى مَا لاَ يَرَى، وَذَلِكَ أَنَّا نُدْرِكُ مَا وَصَفْت مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْجَارِيَتَيْنِ تَكُونَانِ فِي صِفَةٍ وَإِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ ثَمَنًا مِنْ الْأُخْرَى بِشَيْءٍ غَيْرِ بَعِيدٍ فَلاَ تَكُونُ الْقِيَمُ إلَّا عَلَى مَا عُويِنَ. أَوَلاَ تَرَى أَنَّ فِيمَا عُويِنَ لاَ نُوَلِّي الْقِيمَةَ فِيهِ إلَّا أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ فِي يَوْمِهِ الَّذِي يُقَوِّمُونَهُ فِيهِ؟، وَلاَ تَجُوزُ لَهُمْ الْقِيمَةُ حَتَّى يَكْشِفُوا عَنْ الْغَائِلَةِ وَالْأَدْوَاءِ ثُمَّ يَقِيسُوهُ بِغَيْرِهِ ثُمَّ يَكُونُ أَكْثَرُ مَا عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ تَآخِي قَدْرَ الْقِيمَةِ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى مِنْ سِعْرِ يَوْمِهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَجُزْ التَّقْوِيمُ عَلَى الْمَغِيبِ. فَإِنْ قَالَ: صِفَتُهُ كَذَا، وَلاَ أَعْرِفُ قِيمَتَهُ قُلْنَا لِرَبِّ الثَّوْبِ ادَّعِ فِي قِيمَتِهِ مَا شِئْت فَإِذَا فَعَلَ قُلْنَا لِلْغَاصِبِ قَدْ ادَّعَى مَا تَسْمَعُ فَإِنْ عَرَفْته فَأَدِّهِ إلَيْهِ بِلاَ يَمِينٍ وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ فَأَقِرَّ بِمَا شِئْت نُحَلِّفُك عَلَيْهِ وَتَدْفَعُهُ إلَيْهِ. فَإِنْ قَالَ لاَ أَحْلِفُ قُلْنَا فَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ فَيَحْلِفَ عَلَيْك وَيَسْتَحِقَّ مَا ادَّعَى إنْ ثَبَتَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْيَمِينِ فَإِنْ حَلَفَ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ هَذَا لَهُ فَقَدْ جَاءَ بِمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ امْتَنَعَ أَحْلَفْنَا الْمُدَّعِيَ ثُمَّ أَلْزَمْنَاهُ جَمِيعَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَرَادَ الْيَمِينَ بَعْدَ يَمِينِ الْمُدَّعِي لَمْ نُعْطِهِ إيَّاهَا فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَقَلَّ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي أَعْطَيْنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ وَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْلَى مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا حَبًّا أَوْ تَمْرًا أَوْ أُدْمًا فَاسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ بِحَالٍ مِنْ الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثْلٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مَا كَانَ قِيمَةً قَطُّ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ أَصْلاً فَأَثْمَرَ أَوْ غَنَمًا فَتَوَالَدَتْ، وَأَصَابَ مِنْ صُوفِهَا، وَأَلْبَانِهَا كَانَ لِرَبِّ الْأَصْلِ وَالْغَنَمِ وَكُلِّ مَاشِيَةٍ أَنْ يَأْخُذَ مَاشِيَتَهُ، وَأَصْلَهُ مِنْ الْغَاصِبِ إنْ كَانَ بِحَالِهِ حِينَ غَصَبَهُ أَوْ خَيْرًا، وَإِنْ نَقَصَ أَخَذَهُ وَالنُّقْصَانَ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا أَتْلَفَ مِنْ الثَّمَرَةِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِثْلَهَا إنْ كَانَ لَهَا مِثْلٌ أَوْ الْقِيمَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِثْلٌ، وَقِيمَةَ مَا أَتْلَفَ مِنْ نِتَاجِ الْمَاشِيَةِ وَمِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْ لَبَنِهَا أَوْ قِيمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَمِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْ صُوفِهَا وَشَعْرِهَا إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَإِلَّا قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَعْلَفَهَا أَوْ هَنَّأَهَا وَهِيَ جُرْبٌ أَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَيْهَا مِنْ حِفْظِهَا أَوْ سَقَى الْأَصْلَ فَلاَ شَيْءَ لَهُ فِي ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَصْلُ مَا يُحْدِثُ الْغَاصِبُ فِيمَا اغْتَصَبَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ تُمَيَّزُ وَعَيْنٌ مَوْجُودَةٌ لاَ تُمَيَّزُ. وَالثَّانِي: أَثَرٌ لاَ عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ. فَأَمَّا الْأَثَرُ: الَّذِي لَيْسَ بِعَيْنٍ مَوْجُودَةٍ فَمِثْلُ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمَاشِيَةِ يَغْصِبُهَا صِغَارًا وَالرَّقِيقُ يَغْصِبُهُمْ صِغَارًا بِهِمْ مَرَضٌ فَيُدَاوِيهِمْ وَتَعْظُمُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُمْ وَقَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ أَضْعَافَ أَثْمَانِهِمْ، وَإِنَّمَا مَالُهُ فِي أَثَرٍ عَلَيْهِمْ لاَ عَيْنٍ. أَلاَ تَرَى أَنَّ النَّفَقَةَ فِي الدَّوَابِّ وَالْأَعْبُدِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَلُحَ بِهِ الْجَسَدُ لاَ شَيْءٌ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ مَعَ الْجَسَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ؟ وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَغْسِلُهُ وَيُكْمِدُهُ وَكَذَلِكَ الطِّينُ يَغْصِبُهُ فَيَبُلُّهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَضْرِبُهُ لَبَنًا فَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ أَثَرٌ لَيْسَ بِعَيْنٍ مِنْ مَالِهِ وُجِدَ فَلاَ شَيْءَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنٍ تَتَمَيَّزُ فَيُعْطَاهُ، وَلاَ عَيْنٍ تَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ، وَلاَ هُوَ مَوْجُودٌ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُ وَالْعَيْنُ الْمَوْجُودَةُ الَّتِي لاَ تَتَمَيَّزُ أَنْ يَغْصِبَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ الَّذِي قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَيَصْبُغُهُ بِزَعْفَرَانٍ فَيَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ خَمْسَةٌ فَيُقَالُ لِلْغَاصِبِ: إنْ شِئْت أَنْ تَسْتَخْرِجَ الزَّعْفَرَانَ عَلَى أَنَّك ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ مِنْ الثَّوْبِ وَإِنْ شِئْت فَأَنْتَ شَرِيكٌ فِي الثَّوْبِ لَك ثُلُثُهُ وَلِصَاحِبِ الثَّوْبِ ثُلُثَاهُ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَهَكَذَا كُلُّ صَبْغٍ كَانَ قَائِمًا فَزَادَ فِيهِ، وَإِنْ صَبَغَهُ بِصَبْغٍ يَزِيدُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الصَّبْغَ فَإِنَّمَا يُقَوَّمُ الثَّوْبُ فَإِنْ كَانَ الصَّبْغُ زَائِدًا فِي قِيمَتِهِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَهَكَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ زَائِدٍ فِي قِيمَتِهِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ لَك هَهُنَا مَالٌ زَادَ فِي مَالِ الرَّجُلِ فَتَكُونُ شَرِيكًا لَهُ بِهِ فَإِنْ شِئْت فَاسْتَخْرِجْ الصَّبْغَ عَلَى أَنَّك ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ الثَّوْبَ وَإِنْ شِئْت فَدَعْهُ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الصَّبْغُ مِمَّا يُنْقِصُ الثَّوْبَ قِيلَ لَهُ أَنْتَ أَضْرَرْت بِصَاحِبِ الثَّوْبِ، وَأَدْخَلْت عَلَيْهِ النَّقْصَ فَإِنْ شِئْت فَاسْتَخْرِجْ صَبْغَك وَتَضْمَنُ مَا نَقَصَ الثَّوْبَ وَإِنْ شِئْت فَلاَ شَيْءَ لَك فِي صَبْغِك وَتَضْمَنُ مَا نَقَصَ الثَّوْبَ بِكُلِّ حَالٍ قَالَ وَمِنْ الشَّيْءِ الَّذِي يَخْلِطُهُ الْغَاصِبُ بِمَا اغْتَصَبَ فَلاَ يَتَمَيَّزُ مِنْهُ أَنْ يَغْصِبَهُ مِكْيَالَ زَيْتٍ فَيَصُبَّهُ فِي زَيْتٍ مِثْلِهِ أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ فَيُقَالُ لِلْغَاصِبِ إنْ شِئْت أَعْطَيْته مِكْيَالَ زَيْتٍ مِثْلَ زَيْتِهِ وَإِنْ شِئْت أَخَذَ مِنْ هَذَا الزَّيْتِ مِكْيَالاً ثُمَّ كَانَ غَيْرَ مُزْدَادٍ إذَا كَانَ زَيْتُك مِثْلَ زَيْتِهِ، وَكُنْت تَارِكًا لِلْفَضْلِ إذَا كَانَ زَيْتُك أَكْثَرَ مِنْ زَيْتِهِ، وَلاَ خِيَارَ لِلْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَقِصٍ فَإِنْ كَانَ صَبَّ ذَلِكَ الْمِكْيَالَ فِي زَيْتٍ شَرٍّ مِنْ زَيْتِهِ ضَمِنَ الْغَاصِبُ لَهُ مِثْلَ زَيْتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْتَقَصَ زَيْتَهُ بِتَصْيِيرِهِ فِيمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ صَبَّ زَيْتَهُ فِي بَانٍ أَوْ شَيْرَقٍ أَوْ دُهْنٍ طَيِّبٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ ضَمِنَ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ الزَّيْتُ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِكْيَالاً مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمِكْيَالُ مِنْهُ خَيْرًا مِنْ الزَّيْتِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ غَيْرُ الزَّيْتِ، وَلَوْ كَانَ صَبَّهُ فِي مَاءٍ إنْ خَلَّصَهُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ زَيْتًا لاَ مَاءَ فِيهِ وَتَكُونَ مُخَالَطَةُ الْمَاءِ غَيْرَ نَاقِصَةٍ لَهُ كَانَ لاَزِمًا لِلْمَغْصُوبِ أَنْ يَقْبَلَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُخَالَطَةُ الْمَاءِ نَاقِصَةً لَهُ فِي الْعَاجِلِ وَالْمُتَعَقِّبِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِكْيَالاً مِثْلَهُ مَكَانَهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: وَيُعْطِيهِ هَذَا الزَّيْتَ بِعَيْنِهِ وَإِنْ نَقَصَهُ الْمَاءُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنَقْصِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ اغْتَصَبَ زَيْتًا فَأَغْلاَهُ عَلَى النَّارِ فَنَقَصَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَمَا نَقَصَ مَكِيلَتَهُ ثُمَّ إنْ كَانَتْ النَّارُ تُنْقِصُهُ شَيْئًا فِي الْقِيمَةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ نُقْصَانَهُ، وَإِنْ لَمْ تُنْقِصْهُ شَيْئًا فِي الْقِيمَةِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَوْ اغْتَصَبَهُ حِنْطَةً جَدِيدَةً خَلَطَهَا بِرَدِيئَةٍ كَانَ كَمَا وَصَفْت فِي الزَّيْتِ يَغْرَمُ لَهُ مِثْلَهَا بِمِثْلِ كَيْلِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُمَيِّزَهَا حَتَّى تَكُونَ مَعْرُوفَةً وَإِنْ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ أَجْوَدَ كَانَ كَمَا وَصَفْت فِي الزَّيْتِ. قَالَ: وَلَوْ خَلَطَهَا بِشَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ حَبٍّ غَيْرِ الْحِنْطَةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِتَمْيِيزِهَا حَتَّى يُسَلِّمَهَا إلَيْهِ بِعَيْنِهَا بِمِثْلِ كَيْلِهَا، وَإِنْ نَقَصَ كَيْلَهَا شَيْئًا ضَمِنَهُ. قَالَ: وَلَوْ اغْتَصَبَهُ حِنْطَةً جَيِّدَةً فَأَصَابَهَا عِنْدَهُ مَاءٌ أَوْ عَفَنٌ أَوْ أَكَلَةٌ أَوْ دَخَلَهَا نَقْصٌ فِي عَيْنِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ وَقِيمَةُ مَا نَقَصَهَا تُقَوَّمُ بِالْحَالِ الَّتِي غَصَبَهَا وَالْحَالِ الَّتِي دَفَعَهَا بِهَا ثُمَّ يَغْرَمُ فَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ قَالَ، وَلَوْ غَصَبَهُ دَقِيقًا فَخَلَطَهُ بِدَقِيقٍ أَجْوَدَ مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَرْدَأَ كَانَ كَمَا وَصَفْنَا فِي الزَّيْتِ. قَالَ: وَإِنْ غَصَبَهُ زَعْفَرَانًا وَثَوْبًا فَصَبَغَ الثَّوْبَ بِالزَّعْفَرَانِ كَانَ رَبُّ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ مَصْبُوغًا؛ لِأَنَّهُ زَعْفَرَانُهُ وَثَوْبُهُ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ يُقَوَّمُ ثَوْبُهُ أَبْيَضَ وَزَعْفَرَانُهُ صَحِيحًا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلاَثِينَ قُوِّمَ ثَوْبُهُ مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ضَمَّنَهُ خَمْسَةً؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ النَّقْصَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ غَصَبَهُ سَمْنًا وَعَسَلاً وَدَقِيقًا فَعَصَدَهُ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَأْخُذَهُ مَعْصُودًا، وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي الْحَطَبِ وَالْقِدْرِ وَالْعَمَلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَا لَهُ فِيهِ أَثَرٌ لاَ عَيْنٌ أَوْ يُقَوَّمُ لَهُ الْعَسَلُ مُنْفَرِدًا وَالسَّمْنُ وَالدَّقِيقُ مُنْفَرِدِينَ فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ عَشَرَةً، وَهُوَ مَعْصُودٌ قِيمَتُهُ سَبْعَةٌ غَرِمَ لَهُ ثَلاَثَةً مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ النَّقْصَ. وَلَوْ غَصَبَهُ دَابَّةً وَشَعِيرًا فَعَلَفَ الدَّابَّةَ الشَّعِيرَ رَدَّ الدَّابَّةَ وَالشَّعِيرَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَهْلِكُ لَهُ، وَلَيْسَ فِي الدَّابَّةِ عَيْنٌ مِنْ الشَّعِيرِ يَأْخُذُهُ إنَّمَا فِيهَا مِنْهُ أَثَرٌ. قَالَ: وَلَوْ غَصَبَهُ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ إيَّاهُ وَالْمَغْصُوبُ لاَ يَعْلَمُ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِالْإِطْعَامِ، وَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الطَّعَامِ وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ يَعْلَمُ أَنَّهُ طَعَامُهُ فَأَكَلَهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ سُلْطَانَهُ إنَّمَا كَانَ عَلَى أَخْذِ طَعَامِهِ فَقَدْ أَخَذَهُ. قَالَ: وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمَغْصُوبُ: أَكَلْته، وَلاَ أَعْلَمُ أَنَّهُ طَعَامِي وَقَالَ الْغَاصِبُ: أَكَلْته، وَأَنْتَ تَعْلَمُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ يَخْفَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. قَالَ الرَّبِيعُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا أَكَلَهُ عَالِمًا أَوْ غَيْرَ عَالَمٍ فَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ شَيْؤُهُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقَصَ عَمَلُهُ فِيهِ شَيْئًا فَيَرْجِعُ بِمَا نَقَصَهُ الْعَمَلُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ غَصَبَهُ ذَهَبَا فَحَمَلَ عَلَيْهِ نُحَاسًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ فِضَّةً أَخَذَ بِتَمْيِيزِهِ بِالنَّارِ وَإِنْ نَقَصَتْ النَّارُ ذَهَبَهُ شَيْئًا ضَمِنَ مَا نَقَصَتْ النَّارُ وَزْنَ ذَهَبِهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ ذَهَبَهُ ثُمَّ نَظَرْنَا فَإِنْ كَانَتْ النَّارُ نَقَصَتْ مِنْ ذَهَبِهِ شَيْئًا فِي الْقِيمَةِ ضَمِنَ لَهُ مَا نَقَصَتْهُ النَّارُ فِي الْقِيمَةِ. وَقَالَ: وَلَوْ سَبَكَهُ مَعَ ذَهَبٍ مِثْلِهِ أَوْ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ كَانَ هَذَا مِمَّا لاَ يَتَمَيَّزُ وَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الزَّيْتِ. قَالَ: وَلَوْ اغْتَصَبَهُ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ قَضِيبًا ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهِ قَضِيبًا مِنْ ذَهَبٍ غَيْرِهِ أَوْ قَضِيبًا مِنْ نُحَاسٍ أَوْ فِضَّةٍ مَيَّزَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ قَضِيبَهُ إنْ كَانَ بِمِثْلِ الْوَزْنِ الَّذِي غَصَبَهُ بِهِ ثُمَّ نَظَرَ إلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَإِلَيْهِ فِي الْحَالِ الَّتِي غَصَبَهُ إيَّاهُ فِيهَا مَعًا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ حِينَ رَدَّهُ أَقَلَّ مِنْهَا حِينَ غَصَبَهُ ضَمِنَ لَهُ فَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ أَخَذَ ذَهَبَهُ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلاَ لِلْغَاصِبِ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ عَمَلٍ إنَّمَا هُوَ أَثَرٌ. قَالَ: وَلَوْ غَصَبَهُ شَاةً فَأَنْزَى عَلَيْهَا تَيْسًا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ كَانَتْ الشَّاةُ وَالْوَلَدُ لِلْمَغْصُوبِ، وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي عَسْبِ التَّيْسِ مِنْ قِبَلِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَحِلُّ ثَمَنُ عَسْبِ الْفَحْلِ. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَقَرَّهُ فِيهَا فَانْقَلَبَ الَّذِي أَقَرَّ إلَى غَيْرِهِ وَاَلَّذِي انْقَلَبَ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُمْلَكُ إنَّمَا يَمْلِكُهُ رَبُّ الشَّاةِ. قَالَ: وَلَوْ غَصَبَهُ نَقْرَةَ ذَهَبٍ فَضَرَبَهَا دَنَانِيرَ كَانَ لِرَبِّ النَّقْرَةِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ إنْ كَانَتْ بِمِثْلِ وَزْنِ النَّقْرَةِ، وَكَانَتْ بِمِثْلِ قِيمَةِ النَّقْرَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي زِيَادَةِ عَمَلِهِ إنَّمَا هُوَ أَثَرٌ وَإِنْ كَانَتْ يَنْقُصُ وَزْنُهَا أَخَذَ الدَّنَانِيرَ وَمَا نَقَصَ الْوَزْنَ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا تَنْقُصُ مَعَ ذَلِكَ أَخَذَ الدَّنَانِيرَ وَمَا نَقَصَ الْوَزْنَ وَمَا نَقَصَ الْقِيمَةَ. قَالَ: وَإِنْ غَصَبَهُ خَشَبَةً فَشَقَّهَا أَلْوَاحًا أَخَذَ رَبُّ الْخَشَبَةِ الْأَلْوَاحَ فَإِنْ كَانَتْ الْأَلْوَاحُ مِثْلَ قِيمَةِ الْخَشَبَةِ أَوْ أَكْثَرَ أَخَذَهَا، وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي زِيَادَةِ قِيمَةِ الْأَلْوَاحِ عَلَى الْخَشَبَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَالَهُ فِيهَا أَثَرٌ لاَ عَيْنٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَلْوَاحُ أَقَلَّ قِيمَةً مِنْ الْخَشَبَةِ أَخَذَهَا وَفَضْلَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ. قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُ عَمِلَ هَذِهِ الْأَلْوَاحَ أَبْوَابًا، وَلَمْ يُدْخِلْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ كَانَ هَكَذَا، وَلَوْ أَدْخَلَ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ حَدِيدًا أَوْ خَشَبًا غَيْرَهَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَيِّزَ مَالَهُ مِنْ مَالِ الْمَغْصُوبِ ثُمَّ يَدْفَعَ إلَى الْمَغْصُوبِ مَالَهُ وَمَا نَقَصَ مَالَهُ إذَا مَيَّزَ مِنْهَا خَشَبَهُ وَحَدِيدَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَدَعَ لَهُ ذَلِكَ مُتَطَوِّعًا. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَدْخَلَ لَوْحًا مِنْهَا فِي سَفِينَةٍ أَوْ بَنَى عَلَى لَوْحٍ مِنْهَا جِدَارًا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِقَلْعِ ذَلِكَ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَى صَاحِبِهِ وَمَا نَقَصَهُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْخَيْطُ يَخِيطُ بِهِ الثَّوْبَ وَغَيْرَهُ فَإِنْ غَصَبَهُ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ إنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ أَنْ يَنْزِعَ خَيْطَهُ مِنْ إنْسَانٍ، وَلاَ حَيَوَانٍ حَيٍّ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا فَرَّقَ بَيْنَ الْخَيْطِ يُخَاطُ بِهِ الثَّوْبُ وَفِي إخْرَاجِهِ إفْسَادٌ لِلثَّوْبِ وَفِي إخْرَاجِ اللَّوْحِ إفْسَادٌ لِلْبِنَاءِ وَالسَّفِينَةِ وَفِي إخْرَاجِ الْخَيْطِ مِنْ الْجُرْحِ إفْسَادٌ لِلْجُرْحِ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ أَحَدَهُمَا يَخْرُجُ مَعَ الْفَسَادِ وَالْآخَرَ لاَ يَخْرُجُ مَعَ الْفَسَادِ. قِيلَ لَهُ إنَّ هَدْمَ الْجِدَارِ وَقَلْعَ اللَّوْحِ مِنْ السَّفِينَةِ وَنَقْضَ الْخِيَاطَةِ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ عَلَى مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا رُوحٌ تَتْلَفُ، وَلاَ تَأْلَم؛ فَلَمَّا كَانَ مُبَاحًا لِمَالِكِهَا كَانَ مُبَاحًا لِرَبِّ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهَا، وَاسْتِخْرَاجُ الْخَيْطِ مِنْ الْجُرْحِ تَلَفٌ لِلْمَجْرُوحِ، وَأَلَمٌ عَلَيْهِ وَمُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يُتْلِفَ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يُتْلِفَهُ إلَّا بِمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ الْأَرْوَاحِ، وَلاَ يُؤْخَذُ الْحَقُّ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِمَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ. قَالَ الرَّبِيعُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنْ كَانَ الْخَيْطُ فِي حَيَوَانٍ لاَ يُؤْكَلُ فَلاَ يُنْزَعُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ وَإِنْ كَانَ فِي حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ نُزِعَ الْخَيْطُ؛ لِأَنَّهُ حَلاَلٌ لَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا وَيَأْكُلَهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُعْسِرًا وَقَدْ صَبَغَ الثَّوْبَ صَبْغًا ثُمَّ قَالَ أَنَا أَغْسِلُهُ حَتَّى أُخْرِجَ صَبْغِي مِنْهُ لَمْ نُمَكِّنْهُ أَنْ يَغْسِلَهُ فَيُنْقِصَ عَلَيَّ ثَوْبِي وَهُوَ مُعْسِرٌ بِذَلِكَ. قَالَ: وَإِذَا جَنَى الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ جِنَايَةً تَكُونُ نَفْسًا أَوْ أَقَلَّ حَمَّلْتُهَا عَاقِلَةَ الْحُرِّ، إنْ كَانَتْ خَطَأً وَقَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ ضَمَّنْتَ الْعَاقِلَةَ جِنَايَةَ حُرٍّ عَلَى عَبْدٍ؟ قِيلَ لَهُ لَمَّا كَانَتْ الْعَاقِلَةُ تَعْقِلُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِنَايَةَ الْحُرِّ عَلَى الْحُرِّ فِي النَّفْسِ وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِنَايَةَ الْحُرِّ عَلَى الْجَنِينِ وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ نَفْسٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا جَنَى الْحُرُّ مِنْ جِنَايَةِ خَطَأٍ كَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَعَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي جِنَايَةِ الْحُرِّ خَطَأً مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ فِي جِنَايَةِ الْحُرِّ الْعَمْدِ، وَفِيمَا اسْتَهْلَكَ الْحُرُّ مِنْ عُرُوضِ الْآدَمِيِّينَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ لَمْ تَجْعَلْ الْعَبْدَ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا فِيهِ قِيمَتُهُ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْعُرُوضِ؟ قِيلَ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ وَدِيَةً مُسَلَّمَةً إلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ فَكَانَ ذَلِكَ فِي الْآدَمِيِّينَ دُونَ الْعُرُوضِ وَالْبَهَائِمِ. وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ عَلَى قَاتِلِ الْعَبْدِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ كَمَا هِيَ عَلَى قَاتِلِ الْحُرِّ، وَلاَ أَنَّ الرَّقَبَةَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ خَاصَّةً فَلَمَّا كَانَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَانَتْ فِي الْعَبْدِ دِيَةٌ كَمَا كَانَتْ فِيهِ رَقَبَةٌ وَكَانَ دَاخِلاً فِي جُمْلَةِ الآيَةِ وَجُمْلَةِ السُّنَّةِ وَجُمْلَةِ الْقِيَاسِ عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي أَنَّ فِيهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَدِيَتُهُ لَيْسَتْ كَدِيَةِ الْحُرِّ؟ قِيلَ وَالدِّيَاتُ مُبَيَّنَةُ الْفَرْضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُبَيَّنَةُ الْعَدَدِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْآثَارِ فَإِنَّمَا يُسْتَدْرَكُ عَدَدُهَا خَبَرًا أَلاَ تَرَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَعْقِلُ دِيَةَ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ وَهُمَا يَخْتَلِفَانِ وَدِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، وَهُمْ عِنْدَنَا مُخَالِفُونَ الْمُسْلِمَ؟ فَكَذَلِكَ تَعْقِلُ دِيَةَ الْعَبْدِ وَهِيَ قِيمَتُهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ هَذَا؟ قِيلَ نَعَمْ بَيْنَ الْعَبِيدِ عِنْدَ الْعَامَّةِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَعِنْدَنَا فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ لَوْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَعَلَى الْعَبِيدِ فَرَائِضُ اللَّهِ مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الْحَلاَلِ وَفِيهِمْ حُرْمَةُ الْإِسْلاَمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْبَهَائِمِ. فَإِنْ كَانَ الْجَانِي عَبْدًا عَلَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ لَمْ تَعْقِلْ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ، وَلاَ سَيِّدُهُ وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي عُنُقِهِ دُونَ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ يُبَاعُ فِيهَا فَيُدْفَعُ إلَى وَلِيِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دِيَتُهُ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ الدِّيَةَ بَطَلَ مَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا كَانَتْ فِي عُنُقِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَتَرْكُ أَنْ يَضْمَنَ سَيِّدُهُ عَنْهُ وَالْعَاقِلَةُ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ مَا لاَ أَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا. وَفِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا حِكْمَةٌ بِالْجَانِي لاَ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ضَمِنَتْ عَاقِلَتُهُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ ثَمَنَ الْعَبْدِ إذَا قَتَلَ الْحُرَّ فَلَمَّا كَانَتْ لاَ تَضْمَنُ ذَلِكَ عَنْهُ وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءً فِي عُنُقِهِ كَانَتْ كَذَلِكَ جِنَايَةُ الْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ سَوَاءً عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَكَانَ الْحُرُّ يَعْقِلُ عَنْهَا كَمَا تَعْقِلُ عَنْهُ. قَالَ: وَإِذَا اسْتَعَارَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الدَّابَّةَ إلَى مَوْضِعٍ فَتَعَدَّى بِهَا إلَى غَيْرِهِ فَعَطِبَتْ فِي التَّعَدِّي أَوْ بَعْدَ مَا رَدَّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعَارَهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى مَالِكِهَا فَهُوَ لَهَا ضَامِنٌ لاَ يَخْرُجُ مِنْ الضَّمَانِ إلَّا بِأَنْ يُوصِلَهَا إلَى مَالِكِهَا سَالِمَةً وَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ مِنْ حَيْثُ تَعَدَّى بِهَا مَعَ الضَّمَانِ. قَالَ: وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الدَّابَّةَ مِنْ مِصْرَ إلَى أَيْلَةَ فَتَعَدَّى بِهَا إلَى مَكَّةَ فَمَاتَتْ بِمَكَّةَ وَقَدْ كَانَ قَبَضَهَا مِنْ رَبِّهَا ثَمَنَ عَشَرَةٍ فَنَقَصَتْ فِي الرُّكُوبِ حَتَّى صَارَتْ بأيلة ثَمَنَ خَمْسَةٍ ثُمَّ سَارَ بِهَا عَنْ أَيْلَةَ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَدَّى بِهَا مِنْهُ فَيَأْخُذُ كِرَاءَهَا إلَى أَيْلَةَ الَّذِي أَكْرَاهَا بِهِ وَيَأْخُذُ قِيمَتَهَا مِنْ أَيْلَةَ خَمْسَةً وَيَأْخُذُ فِيمَا رَكِبَ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إلَى مَكَّةَ كِرَاءَ مِثْلِهَا لاَ عَلَى حِسَابِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ. قَالَ: وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ طَعَامًا فَأَكَلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ حَتَّى أَبْلاَهُ وَذَهَبَ؛ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ عَلَى الْوَاهِبِ فَالْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْوَاهِبَ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ إتْلاَفِ مَالِهِ فَإِنْ أَخَذَهُ بِمِثْلِ طَعَامِهِ أَوْ قِيمَةِ ثَوْبِهِ فَلاَ شَيْءَ لِلْوَاهِبِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا كَانَتْ هِبَتُهُ إيَّاهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَيَأْخُذُ الْمَوْهُوبَ لَهُ بِمِثْلِ طَعَامِهِ وَقِيمَةِ ثَوْبِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَهْلِكُ لَهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِهِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَنْ يَرْجِعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى الْوَاهِبِ، وَقِيلَ لاَ يَرْجِعُ عَلَى الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاهِبَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ عِوَضًا فَيَرْجِعُ بِعِوَضِهِ وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ غَرَّهُ مِنْ أَمْرٍ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ لاَ يَقْبَلَهُ. قَالَ: وَإِذَا اسْتَعَارَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ ثَوْبًا شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ فَلَبِسَهُ فَأَخْلَقَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ آخَرُ أَخَذَهُ وَقِيمَةَ مَا نَقَصَهُ اللُّبْسُ مِنْ يَوْمِ أَخَذَهُ مِنْهُ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ اللَّابِسِ أَوْ مِنْ الْآخِذِ لِثَوْبِهِ. فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ اللَّابِسِ، وَكَانَ النَّقْصُ كُلُّهُ فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى مَنْ أَعَارَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ النَّقْصَ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَمْ يَغُرَّ مِنْ مَالِهِ بِشَيْءٍ فَيَرْجِعُ بِهِ، وَإِنْ ضَمِنَهُ الْمُعِيرُ غَيْرُ اللَّابِسِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ، قَالَ: لِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَارِيَّةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى اللُّبْسِ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشْرِقِيِّينَ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ قِيَاسُ قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا الْحِجَازِيِّينَ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْآثَارِ وَبِهِ نَأْخُذُ. وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا غَيْرَ أَنَّ مَكَانَ الْعَارِيَّةِ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ تَكَارَى الثَّوْبَ كَانَ الْجَوَابُ فِيهَا كَالْجَوَابِ فِي الْأُولَى إلَّا أَنَّ الْمُسْتَكْرِي إذَا ضَمِنَ شَيْئًا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُكْرِي؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ مِنْ شَيْءٍ أَخَذَ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَإِنَّمَا لَبِسَهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ بِعِوَضٍ وَيَكُونُ لِرَبِّ الثَّوْبِ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ إجَارَةِ ثَوْبِهِ. قَالَ: وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ قَبْلَ الرَّجُلِ دَعْوَى فَسَأَلَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحْلَفَهُ لَهُ الْقَاضِي، ثُمَّ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُدَّعِي فَإِنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَخَذَ لَهُ بِهَا وَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَوْلَى مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي الْمُسْتَحْلِفِ حُضُورًا بِالْبَلَدِ أَوْ غُيَّبًا عَنْهُ فَلاَ يَعْدُو هَذَا وَاحِدًا مِنْ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ بَرِئَ بِكُلِّ حَالٍ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَقُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا يَكُونُ بَرِيئًا مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ فَالْحُكْمُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ بِهَا، وَلَيْسَ لِقُرْبِ الشُّهُودِ وَبُعْدِهِمْ مَعْنًى، وَلَكِنَّ الشُّهُودَ إنْ لَمْ يَعْدِلُوا اكْتَفَى فِيهِ بِالْيَمِينِ الْأُولَى، وَلَمْ تَعُدْ عَلَيْهِ يَمِينٌ. وَإِنَّمَا أَحَلَفْنَاهُ أَوَّلاً أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيَزُولُ هَذَا الْحُكْمُ وَيَكُونُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ مَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي مَا شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ. قَالَ: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ قَمْحًا فَطَحَنَهُ دَقِيقًا نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّقِيقِ مِثْلَ قِيمَةِ الْحِنْطَةِ أَوْ أَكْثَرَ فَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي الزِّيَادَةِ، وَلاَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقِصْهُ شَيْئًا وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّقِيقِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْحِنْطَةِ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الدَّقِيقِ وَالْحِنْطَةِ، وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي الطَّحْنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ أَثَرٌ لاَ عَيْنٌ.
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رحمه الله قَالَ: فِي الرَّجُلِ يَسْتَكْرِهُ الْمَرْأَةَ أَوْ الْأَمَةَ يُصِيبُهَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقَ مِثْلِهَا، وَلاَ حَدَّ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلاَ عُقُوبَةَ، وَعَلَى الْمُسْتَكْرِهِ حَدُّ الرَّجْمِ إنْ كَانَ ثَيِّبًا وَالْجَلْدُ وَالنَّفْيُ إنْ كَانَ بِكْرًا. وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لاَ حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَلاَ عُقُوبَةَ وَعَلَى الْمُسْتَكْرِهِ الْحَدُّ، وَلاَ صَدَاقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَالصَّدَاقُ مَعًا، وَكَانَ الَّذِي احْتَجَّ فِيهِ مِنْ الْآثَارِ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لاَ يَكُونُ حُجَّةً، وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهِ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ قَضَى فِي امْرَأَةٍ اسْتَكْرَهَهَا رَجُلٌ بِصَدَاقِهَا عَلَى الَّذِي اسْتَكْرَهَهَا، وَقَالَ الَّذِي احْتَجَّ بِهَذَا: إنَّ مَرْوَانَ رَجُلٌ قَدْ أَدْرَكَ عَامَّةَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لَهُ عِلْمٌ وَمُشَاوَرَةٌ فِي الْعِلْمِ وَقَضَى بِهَذَا بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ فَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ قَضَاءَهُ لاَ يَكُونُ حُجَّةً. وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ امْرَأَةً بِزِنًا فَأَرَادَ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ تَحَامَلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُفْضِيَهَا يَسْقُطُ الْحَدُّ وَصَارَتْ جِنَايَةً يَغْرَمُهَا فِي مَالِهِ وَهَذَا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا كَانَ زَانِيًا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَبْلَ أَنْ يُفْضِيَهَا، وَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ بِالْإِفْضَاءِ مِنْ الزِّنَا، وَلَمْ يَزْدَدْ بِالْإِفْضَاءِ إلَّا ذَنْبًا. قَالَ الرَّبِيعُ: الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ فِعْلاً إلَى أَجَلٍ فَمَاتَ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ فَاتَ الَّذِي حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلاَ حِنْثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ فِعْلاً، وَلَمْ يُسَمِّ أَجَلاً فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ أَوْ فَاتَ الَّذِي حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ بِهِ أَنَّهُ حَانِثٌ.
|